بيت الأشباح

بيت الأشباح
أدب الرعب

الأحد، 1 فبراير 2015

هادي يزبك يجمع بين شفافية الإحساس والإبداع بالألوان



«الحنين والزمن».. طبيعة لبنان الجبلية بالمائيات

هناك لوحات لا تكشف عن نفسها إلا للمتمعن فيها، كما هو حال النص الأدبي، فكلما استزاد القارئ منه، تكشفت له أبعاد جديدة من الجماليات. ويتجلى هذا القول في زيارة المعرض التشكيلي الفردي «الحنين والزمن» للفنان اللبناني هادي يزبك الذي افتتح أول أمس في منتجع شاطئ دبي مارين.
يستوقف الزائر في الجولة الأولى للمعرض الذي يضم 51 لوحة ويستمر حتى 26 يناير الجاري، براعة الفنان يزبك في رسمه لطبيعة لبنان الجبلية وبيوته الحجرية بشفافية المائي، ووجوه البورتريه المعبرة التي تعكس خصوصية بيئتها وتاريخها.
وخلال تلك الجولة يتوقف الزائر زمناً أطول أمام عدد من اللوحات دون غيرها، والتي يخرج فيها الفنان عن إطار المشهد البانورامي العام للطبيعة إلى مشهد يعنى بجزئية ما من تفاصيل المشهد.
جزئيات التفاصيل
لا يملك الزائر بعد انتهاء جولته إلا العودة إلى تلك اللوحات المعنية بالتفاصيل، ليتمعن في سر انجذابه إليها. ويتكشف له خلال تأمله في جزئيات تفاصيلها، جماليات تبهر العين وتشبع الروح، في تداخل الألوان والتكوين. كلوحة «نهر إبراهيم» التي تصور جريان المياه بين الصخور تحت ظلال أوراق الشجر، ولوحة «عنب» التي تصور عدداً من العناقيد البنفسجية اللون المتدلية من العريشة المشعة بالنور، والتي تتداخل في عمق ظلالها علاقة من الألوان تأسر شغاف النفس، كما هي الحال مع لوحة «التين» وحباتها الداكنة اللون بحمرتها المزرقة، وأوراقها التي تُرى في جزء منها أجمل ما في ألوان الخريف.
نهر إبراهيم
وسرعان ما يعود إلى «نهر إبراهيم» ليكمل بمخيلته عوالم اللوحة ليسمع خرير جريان المياه ويتنشق النسيم البارد من انعكاسات وريقات الشجر وزرقة الصخور. ويرتقي الزائر إلى حالة من الإحساس الشفيف مع كل سنتيمتر من اللوحة بما فيها من روعة تشكيلات الألوان وتناغمها، والتي لا تتجلى إلا بالألوان المائية التي تحاكي رقة الطبيعة وسحرها.
درفة مفتوحة
يحكي هادي يزبك في لقائه مع «البيان» عن علاقته بالمائي كفنان والطبيعة كإنسان ويقول، «أرسم منذ 32 عاماً، وواجهت الكثير من التحديات في علاقتي بالألوان المائية حتى تمكنت من تطويعها، لأصل إلى المرحلة التي أحاول من خلال ضربة فرشاة واحدة رسم ما أريد التعبير عنه. وبأسلوب يقارب من النصيحة التي قالها لي الروائي اللبناني توفيق عواد »1911-1988« الذي نشأنا على أدبه، »الفن نافذة.. درفة مفتوحة وأخرى مغلقة«؟
وتابع لحظات صمت: «وعليه بدأت في المرحلة الأخيرة الرسم بهذا المفهوم الذي تجلى في لوحاتي مثل »نهر إبراهيم« و»عنب«، أي الاعتماد على جزئية في التكوين، ليكمل المتلقي بمخيلته بقية المشهد، وبذا تتحقق للوحة قيمة فنية إضافية».
لحظة توهج
ينتقل يزبك إلى الحديث عن ارتباطه بالطبيعة ويقول: »أستمد شفافيتي الداخلية من جمال الطبيعة التي تشكل بالنسبة لي لحظة توهج. كاللحظة التي أطل فيها لأول مرة من تلة في قرية جزين على جلال الصنوبر كالسجادة الخضراء الموشاة بالقرميد الأحمر لبيوت قديمة يعبر بينها شلال مياه، لأشهد ببصري لوحة بانورامية بين تراب الأرض وزرقة السماء. هذا المشهد أصابني بقشعريرة وشعرت بحالة من السمو والارتقاء الإنساني".
سيرة
درس يزبك «1956» في المعهد العالي للفنون في أوتاوا. ونظّم معرضه الفردي الأوّل في بكندا عام 1986، ليتبعه معرض فردي عام 1987 في الأشرفية بلبنان. كما أقام معارض في بوسطن، ونيويورك، واشنطن دي سي، ونيو جيرسي، والقاهرة وأبوظبي.

لوحات فيصل لعيبي واقعية رمزية بغاليري ميم في دبي

لوحات فيصل لعيبي واقعية رمزية بغاليري ميم في دبي

«أوجاع ومسرات» تسرد عمق وتفاصيل البيئة العراقية

يأخذ الفنان التشكيلي العراقي، فيصل لعيبي صاحي، الزائر لمعرضه «الأوجاع والمسرات» الذي افتتح أول من أمس في غاليري «ميم» بالقوز في دبي، في رحلة مختلفة بكافة المعايير. ويتجلى هذا الاختلاف في معايشة الزائر لعوالم لوحاته التي ترحل به إلى عمق البيئة العراقية، لتسرد بتنوعها الغني على مستوى فئات المجتمع وجماليات تراث الفن العراقي الشعبي.
ويستغرق الزائر بتفاصيل كل لوحة بمعرضه الذي يستمر حتى 3 مارس، وهو يتساءل عن سر الإحساس المربك الذي ينتابه أمام كافة لوحاته باستثناء لوحة الشهيد. ليدرك بعد عدة جولات أن السر يكمن أولاً، في نظرات شخوص مسرح لوحاته المجتمعة إما في مقهى أو في محل لبيع الأقمشة أو الخضرة وغيرها، والتي تحدق بنظرة صريحة في عينيه مباشرة.
ويدفعه هذا الارتباك إلى المزيد من التمعن في تفاصيل الشخوص علّه يتلمس رسالة الفنان. رجال وأحياناً نساء من أعمار متباينة، يشتركون في سمات الملامح العامة للوجه الواقعي المبسط المختزل في العين الواسعة والشعر المنحسر والابتسامة المغلقة على نفسه، ليختلفوا في الملبس الذي يحمل رموز العمل.
رموز صريحة
ويتوصل الزائر بعد التمعن في الرموز الصريحة - لمن يبحث عنها، إلى التقاط رسالة لعيبي، ومنها على سبيل المثال، حذاء الضابط العسكري الذي يضعه على صندوق الفتى الذي يلمعه، بمفارقة تعكس قدميه الحافيتين الملوثتين، وإلى جوارهما حذاء بنعل سميك يرتديه الشاب الذي يعنى بتنظيف المقهى وخدمة الزبائن. بالمقابل، تحمل الجرائد التي يقرؤها شخوص لوحاته رموزا لمراحل زمنية من تاريخ أحداث العراق، ولتعكس كل منها توجهات لفئات ثقافية متنوعة.
يشعر الزائر بعد إدراكه رسالة الفنان، التي تشبه نوع السهل الممتنع، أن هناك المزيد مما عليه اكتشافه لتحديد العوامل الفنية التي تجعل من أسلوب اللعيبي فريداً بخصوصيته، إلى جانب براعته في الرسم الواقعي. ويتحاور مع عدد من الفنانين البارزين الموجودين في المعرض، علّهم يفتحون بصيرته على ما استعصى عليه.
سكون الزمن
ويبدأ بالتدريج في امتلاك المفاتيح التي يبحث عنها، حيث يلتقط التباين في رسم اللوحة بين اهتمامٍ بالرسم الواقعي، المعني على سبيل المثال، بالجانب التشريحي لعضلة الساق المكشوفة لعامل المقهى، الذي لفّ بنطاله بهدف حمايته من الماء، مقابل انتقاله إلى التبسيط والبعد الواحد في رسمه للجراب والحذاء، ما يخلق نوعاً من المفارقة البصرية عند المشاهد. ويتجلى البعد الواحد أيضا، في رسم بعض التفاصيل أو مجملها بأسلوب طفولي، كالصينية بأكواب الشاي المسطحة كالمرآة، واصطفاف القدمين من الجانب على خط واحد، وحالة سكون الزمن.. وغير ذلك من التفاصيل التي تكسر، بصورة دائمة، المنظور التقليدي.
هوية الأسلوب
تشكل معالجة لعيبي للألوان الصريحة ونقائها، عاملاً آخر في جذب المشاهد، خاصة وأنها مستلهمة من البيئة المحلية، التي تعكس هويته التي تميزه كفنان، عن باقي الفنانين، خاصة في الغرب. ويعد هذا المعرض بمثابة رحلة معرفية لمن يرغب من الفنانين الناشئين إدراك معنى خصوصية الهوية والانتماء للبيئة.
سيرة
درس فيصل لعيبي صاحي (1947)، الفن التشكيلي في بغداد في نهاية الستينيات من القرن الـ20، وغادرها عام 1974 ليتابع دراسته في فرنسا وروما، ثم استقر في بريطانيا. وساهمت دراسته للحضارات القديمة في العراق، في تشكيل فرادة أسلوبه الذي يعكس إحساسه العميق بحضارة بلده.

روائع السريالية مع علي أكبر صادقي









علي أكبر صادقي : السوريالية الإيرانية تحمل إرثاً من الرموز والعناصر

من مهد حضارة الفرس العريقة، برز اسم الفنان الإيراني المخضرم المتعدد المواهب علي أكبر صادقي الذي وهب نفسه للفن فأبدع وأثرى الفن التشكيلي السوريالي وقدم رؤية نقية سامية للعالم لا يشوبها التلوث البصري أو الفكر المادي. فأعماله الفنية وعلى الأخص الحديثة منها تدعو للمحبة والسلام والتفاؤل ويتجلى ذلك من خلال الألوان المشرقة المتناغمة عبر عناصر ترمز إلى الحياة والمستقبل. الفنان صادقي قال ل«مسارات»خلال افتتاح معرضه في غاليري بيسمنت في دبي، «اخترت دبي لعرض لوحاتي الجديدة لأول مرة، لان دبي مدينة الحداثة التي تحتض الفن المعاصر وتحتفي به».ويعود تاريخ أقدم لوحة له في المعرض إلى عام 2004. وصادقي واحد من الفنانين المتمكنين من أدواتهم الذين بإمكانهم تنفيذ أية فكرة تخطر في البال، فمهارته التقنية التي اكتسبها خلال خمسة وأربعين عاما، مكنته من ولوج مختلف حقول الفن البصري الثلاثي الأبعاد الذي تدخل فيه عناصر مواد خارجية يتم تطويعها حسب الرغبة مثل الصلصال والألوان والبلاستر.



ويجسد صادقي في عدد من لوحاته، العلاقة بين الامتداد خارج إطار اللوحة وبين الدخول في العالم الخارجي، وهو نزوع لتشكيل لغة جديدة تتجه نحو اللا محدود واللا مرئي الذي يخلقه فضاء الفن البصري في علاقته بالمشاهد، حيث تتجاوز الرؤية السوريالية الإدراك العقلاني إلى الإدراك الحسي، الذي يلعب دوره الأساسي في كشف الرؤى الفنية التي تمتد في نسبية الزمان والمكان.

محطة تأمل
وفي إطار وصفه لمرحلته الفنية الجديدة، قال صادقي انه توقف عن الرسم قبل أربعة أعوام لإصابته بحالة اكتئاب استمرت لمدة عامين خرج منها عبر كتابته للقصائد والأشعار التي سيقوم بنشرها قريبا. ومن خلال تلك القصائد تجاوز المحنة وعاد إلى فنه، كما استلهم منها مواضيع لوحاته التي تزين جدران الغاليري، والتي تحمل المشاهد إلى عوالم تشيع في داخله البهجة والأمل وتبعث فيه حيوية تثير الدهشة، فكل لوحة لها رموزها وطقوسها وعوالمها، فالتفاحة العنصر الأساسي في معظم لوحاته دائما نضرة متألقة بصرف النظر عن المحيط الذي يحاصرها أو يضغط عليها سواء بسهام أو رؤوس معدنية حادة، وكذلك الحال مع العصافير والورود والزهور والنباتات التي تعتبر من عناصر فن المنمنمات الإيراني الذي يرجع إلى عهد السلاجقة.



ويؤكد صادقي أن الفن السريالي يستطيع أن يجمع بين العناصر المتناقضة والبناء عليها مضيفا: أعرف مثل الآخرين عن السماوات السبع والجحيم. لكن قراءتي للأمثال والألقاب والتغيرات والقناعات تترجم إلى صور. مثل جملة «غمر البطل بالمعدن والفولاذ» التي جسدتها باختناقه تحت أسلحته».



علاقته بالسوريالية
بدأ تأثر علي أكبر صادقي بالسوريالية في مرحلة دراسته للفن في كلية الفنون الجميلة في طهران عام 1950، أي بعد ظهورها بسنوات، وكان متابعا لأعمال سلفادور دالي وماك غريد وماك ارنست وأنه استلهم مواضيع أعماله من الأساطير الفارسية وفلسفتها، وبذا كان يجمع ما بين حداثة الفن في الحركة الأوروبية وما بين عراقة تاريخ الأسلاف.



وعن علاقته بالألوان، قال صادقي ان الرسم بالألوان المائية بمثابة محطة استراحة له، يلجأ إليها بعد عودته من الأستوديو والرسم لساعات طويلة بالألوان الزيتية. ومن خلالها يتحرر من الانضباط والتركيز الذي يتطلبه عمله على اللوحات الزيتية. وكذلك يبتعد عن عالم السوريالية والكوابيس ليرسم الأشياء المحيطة به بحرية وعفوية مطلقة.




أما عن تعامله مع الألوان الزيتية فيوضح أنها مرتبطة عنده بمعاني العالم ورؤيته للوجود، ومدخل لمخيلة أفكاره، وتتطلب أعماله الزيتية الكثير من الدقة والوعي، لتنفيذ عناصره التي تستدعي دراسة توازنها مع مضمون اللوحة واللعب من خلال اللون بالأحجام. وهو نادرا ما يستعمل الألوان كما هي في الأصل، فهو يمزج ويخلط، وغالبا ما يهيمن لون أوحد على لوحاته، وهذا أمر شاق إن أخذ في الاعتبار الألوان الزاهية التي يستخدمها في أعماله.

وعن الفن المعاصر في القرن الحادي والعشرين قال، «تثير اهتمامي الحركة الفنية المعاصرة وأتابع أعمالها منذ عام 1940، وأنا أؤمن بريادة الفن بأي أسلوب كان وفي أي عصر ومكان».

وشارك في العديد من المعارض الفنية الجماعية والفردية في أوروبا والولايات المتحدة، وقد استأثرت أعماله بحب الجمهور في سويسرا وكاليفورنيا. ولوحاته التي عرضت في دبي تشكل بداية مرحلة جديدة يتجاوز فيها انتقاله من الشخوص المغيبة التي تبحث عن هويتها أو الجانب المظلم من نفسها إلى التصالح مع الذات والانسجام مع العالم.



نقلة نوعية للسوريالية
وعن مشاريعه المستقبلية أعلن أنه سينتقل مجددا إلى مفهوم جديد في الفن يعتمد في التركيز على عنصر الأشياء لينتقل بذلك خارج إطار اللوحة المسطحة إلى سوريالية بأبعاد متعددة ذات صلة بالفراغ المحيط. وتتجلى تلك النقلة النوعية في أعماله التي قدمت في المعرض.



ويجتمع في كل عمل العديد من العناصر المختلفة. فالكرسي الخشبي بأرضيته النارية التي تحتضن قلبا صافيا من البياض المعكوس في غيوم الطبيعة الحالمة لمسنده القشي، يرتكز على أرجل ما هي بأرجل في توازيها أو تساويها، ليخترق معدن البراغي الفولاذية الداكنة نضرة وصفاء ألوان سوقها، المختوم واحد منها بمحور معدني لولبي.
أما السترة فقد امتلكت حجما من الفراغ الداخلي، لتستمد وجودها من رموز عناصر الطبيعة، فمن أسماك تطوق الأكمام السابحة بمياه تمتد إلى شاطئ واجهة السترة الذي تلامسه الغيوم المتداخلة، التي يسبح فيها التفاح الأحمر والأصفر المربوط بخيوط إلى جيب السترة اليمنى واليسرى.

والتي يحط على سطح كل منها عصفور من سرب يملأ الصدر بحياة وحيوية الربيع الذي ترى أنصاره في الخنافس الحمراء لشقائق النعمان المصطفة على حواف ياقة السترة التي تفصلها عن الأكمام رؤوس معدنية لرتب عسكرية تلقى صداها في العزقات التي تلعب دور الأزرار.



مواهب متعددة
يمارس الفنان علي أكبر صادقي اهتمامات ابداعية أخرى فإلى جانب كتابة الشعر ونظم القصائد، يهتم بفن الرسوم المتحركة الذي برع فيه. وكان صادقي من مؤسسي هذا الفن في إيران وشارك في العديد من لجان التحكيم لمسابقات ومهرجانات في مختلف بلدان العالم من ضمنها مهرجان باريس العالمي قبل عشر سنوات وتم تكريمه من خلال تسمية المهرجان باسمه. كما حاز على العديد من الجوائز العالمية، مثل جائزة غاندي للسلام عام 1974.

الفنان في سطور
بدأ علي أكبر صادقي الذي ولد عام 1937، بتدريس الرسم لصفوف الثانوية عام 1950 وكان يرسم حينها بأسلوب الجرافيك وبالألوان المائية إلى جانب رسومات المطبوعات. وفي عام 1958 التحق بكلية الفنون الجميلة في طهران وبدأ الرسم بالألوان الزيتية. وسرعان ما ابتكر أسلوبا خاصا به متأثرا بفن مدرسة المقهى، وفن الأيقونات والرسم الإيراني التقليدي للوجوه وأسلوب القاجار الذي يجمع بين السوريالية وفن الزجاج الملون.
وشارك في 25 معرضا فرديا و7 معارض جماعية، وأنتج ما يزيد عن 7 مجلدات عن أعماله، وكان عضوا محكما في 10 معارض بينالي، كما قدم ستة أفلام رسوم متحركة.

معلومات تكشف أن نهب ثروة من اللوحات الفنية خلال الحرب العالمية الثانية لا يقتصر على النازيين وحدهم






المحامي والخبير بالأعمال الفنية جيوفاني روسي:

ما نهبه هتلر من مقتنيات بحكم المجهول ولا يقدر بثمن

لطالما شغلت اللوحات الفنية التي سُرقت من قبل النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، العالم في كل عصر وزمان. ونسمع بين الحين والآخر خبر استعادة متحف أو ورثة للوحة كانت ضمن مجموعة مقتنياتهم. وما لا يعرفه الكثيرون أن نسبة اللوحات التي أعيدت لأصحابها الشرعيين أو المتاحف التي كانت تمتلكها منذ انتهاء الحرب وحتى اليوم لا يتجاوز 10 %.
»تبدأ الحكاية من بداية الحرب العالمية الثانية عام 1936 حينما صدر القانون المدني السويسري الذي يحفظ سرية الحسابات المصرفية للعملاء، بهدف حماية ثروات الفارين سواء من الحكم النازي في ألمانيا أو الفاشي في إيطاليا«، هذا ما يؤكده المحامي السويسري جيوفاني روسي، الذي يعمل في مكتب المحاماة »بونارد لو سن« في دبي، وهو معني بالأعمال الفنية من بيع وشراء وتأمين وحفاظ على المجموعات الفنية الخاصة بالمقتنين وغيرها.
بداية يعرّف روسي بمحوري قصة سرقة اللوحات من قبل النازية على امتداد أوروبا، المحور الأول مرتبط بالنازيين وحلم هتلر بإقامة متحف فني عالمي يحمل اسم »متحف القائد« في بلدة مسقط رأسه لينز بالنمسا، وبالتالي سرق النازيون الأعمال الفنية من كافة البلدان التي احتلوها بما فيها الكنائس والمتاحف. وكانوا يخفونها في كهوف الجبال. ولولا شجاعة وجرأة بعض الرجال الذين حالوا دون تنفيذ رغبة هتلر بتدميرها جميعاً لدى هزيمته، لفقد العالم ثروة فنية تاريخية لا تقدر بثمن.
وينتقل إلى المحور الثاني للقصة قائلاً : سارعت العديد من العائلات الأوروبية وبالأخص الإيطالية مع بداية الحرب إلى تخبئة أموالها ومقتنياتها من اللوحات في مصارف سويسرا، وحرصت الكثير من العائلات اليهودية إلى فتح حساباتها بأسماء أصدقاء لها في سويسرا تحسباً للظروف. كذلك الأمر بالنسبة للضباط النازيين الذين احتفظوا بالعديد من اللوحات لأنفسهم.
ويضيف روسي: بعد انتهاء الحرب بقيت الكثير من الأرصدة مغلقة، إما بسبب تصفية العائلات بعد اعتقالهم أو هجرتهم ووفاتهم قبل معرفة ورثتهم بحساباتهم السرية. واستمرت الحال على ما هي عليه حتى عام 1998 وانعقاد »مؤتمر واشنطن« بشأن نظم تتبع الأعمال الفنية المفقودة التي صادرها النازيون، ليعتبر البادرة الأولى بشأن المطالبة والبحث عن اللوحات المسروقة في 43 دولة وقعت الاتفاقية. وعلينا هنا الأخذ بالاعتبار القانون السويسري الذي يحفظ حق المشتري بالنوايا الحسنة. أي أن المواطن السويسري الذي يشتري عملاً فنياً مسروقاً (دون دراية) يحميه القانون. وهكذا نجد في رصيد المقتنين السويسريين من تلك المرحلة عدداً كبيرا من لوحات فنانين مشهورين.
هتلر والانطباعية
ثم يفتح روسي باباً آخر لحكايته: لا بد من الإشارة إلى أهمية تلك المرحلة التي ازدهر فيها الفن الانطباعي، والذي عشقته العائلات اليهودية لتقتني أعداداً كبيرة منها لاسيما للفنانين سيزان ومونيه وماتيس وميرو وغيرهم والتي كانت حينها زهيدة الثمن وليس بالملايين كما هي الآن، علماً أن النازيين اعتبروا التيار الانطباعي فناً هابطاً وبالتالي أحرقوا الكثير من نتاجه.
مؤتمر واشنطن
يعود روسي إلى التسعينات من القرن الماضي ويقول عن نتاج مؤتمر واشنطن: كانت سويسرا في موقف حرج بين الحفاظ على سرية الحسابات وبين التعاون لأجل استرجاع الأعمال سواء من قبل المتاحف أو ورثة مالكيها. وعليه أنشأت المصارف السويسرية مكتباً خاصاً بهذه القضية. وتتمثل مهمة المكتب في استلام طلبات الأفراد والجهات المعنية مع إرفاقها بدليل أو دلالات، وثانيها الذهاب إلى المتاحف والمقتنين السويسريين والبحث في مجموعاتهم عن شرعية الأعمال وهذا أمر في غاية الصعوبة لا سيما مع القانون الذي يحمي المشتري، فكيف إذا كان العمل وصله بعد عدة مشترين!.
يعلق روسي ضاحكاً: بالطبع لم يكن هناك سهولة في الحصول على المعلومات والتقصي عن الأسماء كما في عصر التكنولوجيا وتقنيات التواصل الحالية. كان بإمكان أي إنسان فتح حساب في أحد المصارف السويسرية عام 1930، والإجراء الوحيد المطلوب آنذاك كتابة الاسم والتوقيع.
ابتسامة غامضة
أما ماذا يحدث لحساب وإيداعات العائلات التي قتلت في المعسكرات وغابت معها جميع المعلومات الخاصة بحساباتها، فيقول: تبقى الحسابات التي لا حركة فيها مفتوحة لمدة عشر سنوات، بعدها يصبح حساباً نائماً. وإذا ظهر أحد الورثة فعليهم تفعيل الحساب من خلال مكتب خاص بالحسابات النائمة قبل مضي 15 سنة، ويرسم على وجهه ابتسامة غامضة، لدى سؤاله لمن تعود ملكية إيداعات تلك الحسابات.

أشهر 5 لوحات سرقها النازيون

أشهر 5 لوحات فنية سرقها النازيون من إجمالي 750 ألف عمل:
»القديسة جوستا وروفينا« التي عثر عليها بمتحف »ميدوز« في دالاس بالولايات المتحدة.
»رسام في الطريق إلى تاراسكون« للفنان الهولندي فنسنت فان كوخ الذي انتحر عام 1890 .
»بورتريه للدكتور غاشيه« للفنان الهولندي فنسنت فان كوخ، الذي اعتبره هتلر من الفنانين الهابطين.
»بورتريه أديل بلوش-بوير 1« للفنان النمساوي غوستاف كليمت التي رسمها عام 1904.
»صبي شاب بجيليه حمراء« للانطباعي الفرنسي بول سيزان، ضمن متحف الضابط الألماني إميل غيورغ بورلي في سويسرا.
القديسة غوستاوروفينا للفنان الاسباني بارتولومي إيستابان موريلو من القرن 17
رسام في الطريق إلى تاراسكون للفنان الهولندي فنسنت فان غوخ
بورتريه للدكتور غاشيه للفنان الهولندي فنسنت فان غوخ
بورتريه أديل بلوش-بوير 1 للفنان النمساوي غوستاف كليمت
صبي شاب بجيليه حمراء للانطباعي الفرنسي بول سيزان

عائلة تستعيد لوحتها بعد 74 عاماً
بقيت لوحة »بورتريه سيدة« التي رسمها الفنان الهولندي يوهانز فيرسبرونك في القرن 17، معلقة في غرفة نوم ألما سالومونشون في برلين حتى مصادرتها من قبل النازيين عام 1940. واكتسبت هذه اللوحة قيمة مضاعفة لدى ألما بعد وفاة زوجها المصرفي والصناعي الألماني الشهير آرثر عام 1930، قبل وصول هتلر إلى السلطة بثلاث سنوات، وكان آرثر قد اقتنى خلال حياته مجموعة من الأعمال الفنية القيّمة.
وبادر النازيون بعد مصادرة لوحات العائلة إلى عرضها في العام التالي خلال مزاد. وبعد هجرة ألما وأسرتها إلى الولايات المتحدة غيرت اسم عائلتها إلى سولمسن، وبدأت رحلة البحث عن ممتلكات الأسرة الفنية. وساهم في البحث حفيدها المحامي الشهير في فيلادلفيا بيتر سولمسن، الذي أسس مع الأسرة مكتباً في برلين مختصاً بتعويض الأعمال المصادرة من قبل النازيين.
وفي عام 2003 عثرت العائلة على لوحة »بورتريه سيدة« في غاليري »إيه جي إتش« الكندية.

مساجلات في المحاكم
رفعت السيدة الباريسية ليون ماير أخيراً دعوة قضائية على جامعة أوكلاهوما في الولايات المتحدة، لاسترجاع لوحة »الراعية تعيد الخراف« للفنان الفرنسي كاميل بيسارو التي رسمها عام 1886. وتدّعي ليون أن هذه اللوحة سرقت من والدها رجل الأعمال في باريس خلال احتلال النازيين لفرنسا.
وهذه اللوحة حالياً معلقة في متحف الفن الخاص بفريد جونز الأصغر. وكان المسؤولون عن الجامعة قد رفضوا إعادة اللوحة في دعوة مسبقة أقيمت بسويسرا والتي تجاهلت مطالبة العائلة استناداً على جوانب مرتبطة بالتقنيات. وفي الوقت نفسه لا تنكر الجامعة أن اللوحة سرقت من عائلة خلال الحرب العالمية الثانية.
ويذكر مشرّع القانون مايك رينولدز في رسالته إلى فورد بيل رئيس حلف المتاحف الأميركية، أن الجامعة انتهكت معايير المؤسسة المعتمدة لدى فشلها في تقصي مصدر اللوحة. ويشير إلى الاستقالة المفاجئة لمديرة المتحدة إيملي نيف، بعد مضي يوم أو يومين من استلامها لرسالة من لجنة بيت حكومة أوكلاهوما بخصوص تساؤلاتها حول كيفية تعامل المتحف مع هذه القضية.

فرنسا تعيد 7 لوحات إلى أصحابها
أعادت فرنسا في العام الماضي سبع لوحات لأصحابها من عائلتين يهوديتين، كخطوة جديدة ضمن خطة إعادة مئات الأعمال التي لا تزال معلقة في قاعات متحف اللوفر وغيره من المتاحف. وكانت اللوحات قد بيعت قبل 70 عاماً. وكان من المقرر أن تعرض اللوحات السبع في متحف اللوفر.
وأنهى استلام العائلتين للوحاتهم صراعاً دام سنوات مع الحكومة الفرنسية وقال برونو سونيير من وكالة المتاحف الوطنية، »هذه حالة نادرة جداً، وهو أكبر عدد من اللوحات نعيده للعائلتين بعد أكثر من 10 سنوات«.
وست من هذه اللوحات للفنانين أليساندرو سيباستيانو ريتشي وغاسبار ديزياني، كانت ملكاً للنمساوي ريتشارد نيومن، الذي كان ثمن هربه من فرنسا تخليه عن لوحاته تلك.

رجال الآثار
يتناول الفيلم الحربي »رجال الآثار«، من كتابة وإنتاج غرانت هيسلوف والممثل الشهير جورج كلوني وإخراج الأخير الذي عرض العام الجاري، نجاح فريق من الحلفاء في استعادة الكنوز التي سرقها النازيون بما فيها الأعمال الفنية. وتمثلت مهمة الفريق في العثور على الأعمال الفنية وإنقاذها من التلف ووضعها في مكان آمن. وشارك مات ديمون في بطولة الفيلم إلى جانب كلوني.

اكتشاف مخبأ
اكتشفت قوات الحلف وفي مقدمتها الأميركية في 7 إبريل عام 1945، كنزاً من الذهب والبلاتينيوم والفضة والأعمال الفنية، التي أخفاها النازيون في كهف ملح ميركيرز بالقرب من قرية ميركيرز. وتجاوزت قيمة الأعمال الفنية من لوحات وتماثيل نصف مليار دولار. وسارعت بنقلها إلى مكان آخر قبل وصول القوات الروسية إليها. ومن ضمن القادة الأميركيين الذين أشرفوا على نقل الكنز دويت إيزنهاور وجورج باتون وعمر برادلي.