بيت الأشباح

بيت الأشباح
أدب الرعب

الاثنين، 7 نوفمبر 2016

غادة السمان لـ « البيان »: لم أعجب يوماً بما كتبت

رفضت ربط مواقف أبطال القصص بمؤلفها



 دبي - رشا المالح

البيان




غادة السمان من فرسان القلم الذين تميزوا بغزارة إنتاجهم، وكتبوا بحبر دمهم وصدق وجدانهم، وعنفوان اندفاعهم ليأتي أدبهم غنياً بتنوعه، وبرؤية نقدية فلسفية بعيدة عن الاستعراض، تدفع القراء إلى إعادة التأمل في ذاتهم ومحيطهم.

وتدفع النقاد المختصين إلى تقديم دراسات مستقلة حول أعمالها التي تناولت فيها علاقة الإنسان العربي بمحيطه، زماناً ومكاناً، بدءاً بالأسرة وانتهاء بالمجتمع، والأسس الثابتة والمتحولة والمتلونة التي تحكم العلاقات وما يهددها.

حوار »البيان« مع غادة السمان البعيدة في مقر إقامتها (باريس)، له نكهة خاصة تتجلى في تداعيات الكلام وعمق التحليل وحالة إبداع الأديب.

معظم الكاتبات في العالم العربي، أبطالهن من النساء، أما أنت فتحكين في العديد من رواياتك وقصصك بلسان الرجل وعوالمه الداخلية، لماذا؟
سؤالك هذا يطرح إشكالية أدبية مهمة حقاً.. واسمحي لي بالدفاع على نحو غير مباشر عن زميلاتي الأديبات. فمن حق الكاتب اختيار بطله.. سواء اختاره من الجنس المؤنث أو المذكر..
وكما احتفينا برواية »مدام بوفاري« لمؤلفها (الرجل) غوستاف فلوبير واحتفينا برواية »آنا كارنينا« لكاتبها ليو تولستوي واحتفينا بنزار قباني حين كتب العديد من قصائده بلسان أنثى كما في قصيدته »كلمة عجلى.. هي أنني حبلى«، كما احتفينا بذلك كله من حقنا الانحياز إلى حرية الكاتبة/ الكاتب في انتقاء البطل.
المقياس النقدي ليس أولاً »ماذا نكتب« ومن بطلتنا / بطلنا بل »كيف نكتب«. للفنان الحق في اختيار بطلته/ بطله ومن حق القارئ عليه مطالبته بالإبداع.. ومن حق الكاتبة أن تكون بطلتها امرأة، شرط ألا تخلط بين الرواية كعمل فني ودفتر مذكراتها، أي أن تنجح في الخروج من »الذاتي« إلى »الفني الإبداعي«.

همومنا واحدة
ما هي الأسباب والعوامل التي مكنتك من الكتابة عن مكنونات الرجل الداخلية وآلية تفكيره؟
من طرفي أجد في الرجل العربي مناجمَ للكتابة، ولا يمكنني تجاوزها لمجرد صدفة بيولوجية هي أنني أنثى! فأنا حين أمسك بقلمي أصير مواطنة تكتب بإنسانيتها.
الرجل العربي منجم جماليات وتناقضات وشرور ونبل وعطاءات لها جذورها في تراثنا وتاريخنا الحضاري.. وكل ما أفعله أنني أغرف من المنجم بدلاً من الدخول إلى شرنقة همومي كأنثى »دون أن أنكرها« بل وأعلنها، ولكن في ضفيرة متشابكة مع هموم رفيقي المواطن الذكر..
المطلوب فقط ألا تشعر الكاتبة أنها محور العالم، والذكور مجموعة من »المروضين« للأنثى في »سيرك« الحياة العربية والاجتماعية.
الرجل العربي كنز من القدرة على الحب والوفاء والألم والندم والطموح والصمود والانكسار واللاشكوى والمكابرة.. والعطاء الإبداعي أيضاً.

وكروائية، لم يكن بوسعي الإشاحة بوجهي عن أحزان الرجل العربي وهمومه وهواجسه ومخاوفه ومعاناته وجمالياته وشروره، لم يكن بوسعي إهمال ذلك كله لأنني كاتبة لها همومها »كأنثى عربية«.. فهمومنا واحدة المنبع وإن كانت المرأة في عالمنا العربي كادحة الكادحين ومظلومة المظلومين، ولكن ذلك لا يقوم عندي بالتعتيم على هموم الرجل العربي وسوء التفاهم بينه وبين بعض الكاتبات.

وثمة (ذكور) اختاروا مواقعهم: زوجي مثلاً - رحمه الله- كان يغضب إذا عاد إلى البيت ووجدني خلف »طاولة المطبخ« بدلاً من »طاولة الكتابة«. كان إنساناً رائعاً له فضل كبير على أبجديتي وساعدني كثيراً بدعمه لي.

مجنوني (فرح) في روايتي »بيروت 75« الذي هرب من مستشفى المجانين واقتلع عن بابها لوحتها ونصبها في مدخل بيروت لم يخطئ، إذ انفجرت الحرب اللبنانية بعد صدور الرواية بأشهر.

ومصطفى الصياد في الرواية يمثل غضب جيل على اللاعدالة والأمثلة من رواياتي تطول عن أبطالي الذكور الذين يمثلون قيماً في حياتنا العربية وهم أحياء في رواياتي لا مجرد لافتات إعلانية. وخليل في روايتي »ليلة المليار« أكثر إنسانية من زوجته الجميلة »كفى« وعانى الكثير ليصرخ بصدقه في وجه الجميع.

ناقدة قاسية
تناولت في أعمالك عوالم المرأة والرجل والمدن والعلاقة فيما بينهم. هل هناك محور من الحياة لم تتناوليه بالعمق الذي تناولت به تلك المحاور؟

ثمة دائماً ما أتمنى كتابته، ولذا ما زلت مستمرة في الكتابة منذ ألف عام. لم أشعر يوماً بالإعجاب بما أخطّه، وكل ما كتبه النقاد ضدي حتى اليوم هو أقل من النقد الذي أوجهه لنفسي، فأنا الناقد الأكثر قسوة على غادة.. ولكنني أحاول.. وأستمر.

في كتابك »القمر المربع قصص غرائبية« 1994، وردت عبارة على لسان إحدى شخصياتك النسائية التي كانت تقف في الطابور للحصول على إقامة في فرنسا، »آه.. لا يجمع العرب إلا نظرتهم المتخلفة إلى المرأة«. فهل تطورت أو ارتقت شخصية الرجل العربي في أعمالك الأخيرة، أو ما هو نوع التحول الذي طرأ عليه؟

لا نستطيع محاكمة الكاتب على جريمة ارتكبها أحد أبطال قصصه، وبالتالي لا نستطيع أيضاً أن نعتبر عبارة تفوهت بها بطلة في قصة في لحظة ما في موقف معين ممثلة لآراء صاحب/ صاحبة النص.. وجهة نظر المؤلف نستشفها من روح النص ككل ومن روح مجمل أعماله.

ولولا ذلك لكان بوسع أي محكمة الإلقاء بي في السجن لجرائم اقترفها أبطال رواياتي وقصصي، ناهيك عن أقوال غير محببة كصرخة أحد أبطال »ليل الغرباء«: »كل دار مريحة هي وطني«.. وذلك المسكين كان قد غادر دهاليز تعذيب رفاق الأمس له. وكان سيتحدث كذلك حين عاش في لندن.

الأبطال عندي ليسوا »حنجرة مستعارة« لي، أقول عبرهم ما لا أجرؤ على قوله في حياتي اليومية. إنهم شخصيات تولد، تستقل، تتابع حياتها في الرواية بمعزل عني، وأحياناً ترغمني على تبديل الخاتمة التي كنت قد قررتها، وتحاكمني أحياناً بل وتحاول اغتيالي كما فعل أحد أبطال روايتي »سهرة تنكرية للموتى« .. حيث يتعايش الأحياء والأموات في شوارع بيروت، وتلتقي إحدى بطلات الرواية بالأشباح وتجلس معهم في المقاهي ويبدو الأمر عادياً ومألوفاً.لا إبداع حقيقياً دون القدرة على إطلاق سراح الخيال.

الدورة الدموية للنص
تميز أسلوبك في السرد بمفردات أدبية بسيطة بعيدة عن اللغة الهزلية الاستعراضية، كذلك بالصورة والتوصيف الشعري مثل »ثمة مدن يتدفق الحب من أطراف أناملها الملونة بأحمر القرميد«. هل هذا التوصيف قصدي أم من سياق عفوية السرد وما هي منابعه؟
اللغة عندي ليست (كرنفالاً) استعراضياً (للشطارة) اللغوية، إنها من بعض الدورة الدموية للنص.. اللغة ليست غاية بحد ذاتها عندي. لدي احترام مطلق للغتنا العربية الأم، لكنني حرة في أسلوبي لعشقها.. ولا أحيلها إلى مهرجة بألوان باذخة وألعاب استعراضية، بل أتركها تنبع سلسبيلاً من العفوية الجمالية الملتحمة مع النص.
لا أحب التنميق اللغوي الخاوي من المضمون الإبداعي، ولا أرتاح إلى أدب »الكيتش« (محاكاة التأثيرات الناتجة عن تجربة واقعية)، ولا إلى إهانة اللغة باستعمالها »كأكسسوار« تأنق. احترام اللغة يكون بعدم استعمالها أداة لسرقة إعجاب رخيص.

حراس الصمت

ما نعرفه أن الكثير من الطلبة قدموا أطروحات في أدبك، ولكن هل وصلتك عروض لتحويل أحد أعمالك إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني؟
روايتي "فسيفساء دمشقية" صارت فيلماً سينمائياً من إخراج سمير ذكرى ويحمل عنوان الفصل الأخير من الرواية وهو "حراس الصمت". وتم عرضه في أحد مهرجانات السينما، لكن الظروف السياسية العربية حالت دون توزيعه على دور السينما العربية.

قصتي "فزاع طيور آخر" تحولت إلى مسلسل إذاعي في 13 حلقة. وتحولت قصتي "أنياب رجل وحيد" إلى مسلسل تلفزيوني، والأمثلة تطول. بالمقابل أعترف أنني لم أتابع يوماً هذا الجانب المهم من تعريف الإنسان العربي على أعمالي. والسبب ببساطة هو تقصيري "الجميل" في هذا الحقل. كل ما يعنيني هو أن أكتب وأكتب وأكتب الآن وأنا في هذا الكوكب والبقية تأتي ..

وثمة حكاية طريفة حول روايتي "السقوط إلى القمة" التي أعلن نزار قباني في مجلة الآداب عن إصدارها كباكورة لدار نشره التي أسسها حينها، إلى جانب ديوان جديد له. واتفقت مع نجمة مصرية على تحويلها إلى فيلم، وأعلنت هي عن سرورها بذلك، ثم أضعت المخطوط في أحد المطارات، وبالأحرى تمت سرقته. وأتخيل دائماً خيبة السارق الذي لم يجد في الحقيبة نقوداً.

القارئ والحقيقة
تميزت أعمالك بالتركيز على تناقضات الإنسان الداخلية مع غياب شخصية سوبر بطلة أو بطل. هل مثل هذا التناول العميق يشكل تحدياً أكبر للكاتب؟

ربما، بل أنت على حق.. فالسوبر بطل يسهل تصويره لأنه ينتصر باستمرار، وبالتالي يريح الكاتب من رسم "تناقضات الإنسان الداخلية" كما تقولين، ويجعله قوياً جباراً لا يشبه إلا نفسه ولديه الحل السحري للأمور لها. لكني لم أختر يوماً مع الأبجدية الحلول السهلة بل الصادقة مع نفسي وأبجديتي والقارئ والحقيقة الإنسانية.

"السوبرمان" أسطورة، ولكننا ببساطة "بشر" وذلك كما تقولين برهافة يشكل تحدياً أكبر للكاتب، لكنه بالمقابل كما أرى يمنح عمله نبرة الصدق الداخلي.

لنعترف: كلنا بشر، لدينا نقاط قوتنا وضعفنا. الحب هو أن نقبل الآخر كما هو فتبديله مشروع (تجاري) خاسر غالباً حتى ولو توهمنا في فترة (شهر العسل) الفكرية أننا كسبنا المعركة. الآخر يمكن له أن يتبدل إذا بدل قناعاته من الداخل، ويمكن أن يحدث لنا ذلك في الوقت نفسه ولا نلتقي من جديد!
العلاقات البشرية شبكة عنكبوتية من الأسلاك المكهربة، وذلك من حسن حظ الروائي فلديه مغارة ملونة بقوس قزح: الأمزجة والطبائع والأفعال اللطيفة الفتاحة والشرسة البريئة.. ذلك المزيج المتفجر في دهاليز تقود إلى دهاليز مادة الأدب من شعر ورواية وقصة وغير ذلك من أساليب قد يخترعها الجيل الجديد.

ماذا تكتبين الآن؟
أكتب مذكراتي. ولأنني عشت عدة "حيوات" في أقطار عربية وأوروبية، ستقع مذكراتي في عدة أجزاء: دمشق/ بيروت/ لندن/ جنيف/ باريس. وأنوي نشر مختارات منها في منبر صحفي ما، لم أقرره بعد.

القراءة كالحب
أُعلن في الإمارات العام الجاري عام القراءة على المستوى المحلي والعربي، هل يمكنك إفادتنا بدور القراءة في حياتك ككاتبة وإنسانة. وما الذي تضيفه لشخصية الإنسان؟
- القراءة كالحب، تأتي أو لا تأتي. ومن الجميل استثارة المحرضات لها، لأنها تعني مد الجسور الإنسانية والتعارف بين البشر مما يجعل (سوء التفاهم) بينهم أقر شراسة، بل وقد يقودهم إلى التفاهم أو على الأقل إلى الحوار الإنسان البعيد عن العنف؛ فالأبجدية لا تحمل المدافع الرشاشة بالضرورة ولا المتفجرات. العنف اللغوي قد يقود إلى الحلول السلمية الإنسانية بعيداً عن "مصانع الأرامل"!
50
كتاباً في الرواية والشعر وأدب الرحلة والنقد الأدبي والاجتماعي والمحاورات الأدبية وسواها
20
كتاباً صدر عن أدبها بعضه مترجم إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية
19
لغة ترجمت إليها أعمالها منها الألمانية والهولندية والروسية والسويدية والصينية









ميساء محمد: أجواء الحرب دفعتني إلى إحساس أكبر بالمسؤولية

تشكيلية سورية تعكس في لوحاتها وجع الإنسانية




دبي - رشا المالح
البيان 6 يوليو 2016




حينما يرسم الفنان المبدع بعمق مشاعره وصدق أحاسيسه، يتحول نتاجه إلى عمل يتفاعل معه المتلقي أياً كان بعفوية وتلقائية، تدفعه إلى طرح التساؤلات والتعمق في التفاصيل التي تغني الروح والبصيرة، ليبقى مثل هذا الفن في ذاكرته طويلاً. ومثال على هذا النوع من الفنانين الذين يرسمون بروحهم وفكرهم وإحساسهم، التشكيلية السورية ميساء محمد المقيمة في الإمارات.



وتتميز ميساء بأسلوبها الانطباعي التعبيري وعمق رؤيتها الإنسانية، لتقدم في كل لوحة مجموعة من التساؤلات، تختلف تبعاً لكل مرحلة من مسيرتها الفنية، بين وجوه نساء غائبة الملامح في أجواء قريبة من الواقعية السحرية، حيث يسود الصمت ويتوقف الزمن. وتكمن خصوصية معالجتها للتكوين والألوان، في نقاء الألوان وقدرتها على تركيبتها لتحقيق الأثر المطلوب، كذلك سيطرتها على التكوين.

وانتقلت في السنوات الأخيرة، ميساء إلى مرحلة جديدة تحولت خلالها نساؤها من جزء في تكوين اللوحة، إلى العنصر الأوحد فيها ليحمل وجه كل منهن حالة كثيفة من الألم أو الغضب أو الحزن وغيرها. وبهدف معرفة المزيد عن تجربتها الأخيرة وبعض من مسيرتها الفنية التقت بها «البيان» في الاستوديو الخاص بها في دبي.


انكسار الروح
«دفعتني معايشتي لأجواء الحرب والموت في السنوات الثلاث التي عشتها بسورية، إلى إحساسي بمسؤولية أكبر كفنانة، فلم يكن يعنيني خراب المكان بقدر خراب وانهزام الروح. ورسمت في وجوه نسائي مختلف الحالات التي عشتها أنا وغيري من النساء. انكسار الروح، مأساة لأنه لا يمكن ترميمها أو إعادة إعماره كالبناء. كدت أتحول خلال تلك السنوات إلى ما يشبه الهيكل العظمي، إذ كنت أعيش كالمحمومة في هاجس الرسم، تقول ميساء في بداية اللقاء».
وتتحدث عن مصادر إلهامها قائلة: من القصص التي تأثرت بها كابوس القناص الذي كان يشكل رعباً للسكان، من حالة الترصد إلى صوت الطلقة التي ما إن نسمعها حتى نعرف أن شخصا ما مات. عشت في تناقض بين موت الشارع وأفكاري الداخلية وهرب الناس من الألم.


رموز ثقافات
وتنتقل ميساء إلى الحديث عن اختلاف أسلوبها في الرسم قائلة: اعتمدت في المرحلة السابقة على التبسيط واختزال التفاصيل بما يشبه رسومات إنسان الكهوف، مع رموز استقيتها من تقاطعات العديد من الثقافات القديمة كالفرعونية والهندية، وأنا كأي فنان خليط من كل هذه المدارس. كما إني لا أوافق على تصنيف الفنان ضمن مدرسة أو تيار فني معين، فهو يشكل ثورة على نفسه مع كل عمل جديد له.
وتقول عن أسباب غيابها عن الساحة الفنية مع أن قدراتها ونتاجها الفني يوازي من عزز مكانته على خارطة فن العالم العربي: ضم مجتمعي الذي كنت أعيش فيه نسبة كبيرة من المثقفين والمبدعين على مختلف الأصعدة، لذا كان بيت العائلة بمثابة غاليري بالنسبة لي. كما أني لم أر نفسي يوماً أكثر من هاوية وما زلت أكتشف وأختبر نتائج تفاعلات المواد والألوان حتى اليوم. ولم أدرك أهمية المعارض ودور الغاليريهات في شهرة الفنان إلا في السنوات الخمس الأخيرة، بالطبع هناك سد منيع بينها وبين الفنانين في الجوار.
مراحل
تحكي ميساء محمد خريجة كلية الفنون الجميلة في دمشق، عن اختلاف مراحل نضج الفنان قائلة: إذا أخذت نفسي كمقياس، فأقول إن غروري أيام الجامعة كان أكبر مني، وكنت أمتلك الجرأة والقوة والرغبة في التحدي وكسر القواعد وغزارة الإنتاج، إلا أن مسؤولية الحياة بين العمل والأمومة جعلتني مقلة جدا في الإنتاج فلم أكن أنجز أكثر من ست لوحات في العام الواحد. وكما نعلم مرونة يد الفنان كما العازف تحتاج إلى مواظبة يومية. لكن السنوات الثلاث التي عشتها في سوريا، استنهضت كافة قدراتي لأرسم بغزارة ودون توقف إنما بعمق أكبر وتجربة إنسانية أنضج.













«التصوير الرقمي لمصور متكامــل».. تحليل نقدي لإبداعات الرواد


المصدر: البيان




لا يقل دور فن التصوير الفوتوغرافي منذ نشأته وحتى اليوم، عن بقية الفنون التي ساهمت في تغيير الرأي العام المحلي والعام، إما عبر الكشف عن العديد من الجوانب الإنسانية التي غفلت عنها المجتمعات، أو الارتقاء بجماليات الإبداع ليخلد التاريخ نتاجها في كل مكان وأوان. وإن كنا نعرف الكثير عن تجارب المبدعين في عالم الأدب والموسيقى والتشكيل، إلا أن معرفتنا في العالم العربي بثقافة فن التصوير لا تزال قليلة.

«البيان» تسلط الضوء، بالتعاون مع جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي، في كل شهر، على أحد أبرز الكتب ورواد عالم التصوير الفوتوغرافي.

أبجديات
يساعد كتاب «التصوير الرقمي لمصور متكامل» للمبدع العالمي توم آنغ الذي ولد في سنغافورة وعمل في بريطانيا ويعيش حالياً في نيوزلندا، على معرفة أسس التصوير في مختلف فئاته العشر التي تشكل فصول الكتاب وهي: البورتريه، المنظر العام، الأزياء، الحياة البرية والطبيعة، الرياضة، الوثائقي، الفعاليات، السفر، العمارة، الفن التشكيلي، إلى جانب الاستفادة من معطيات تقنيات التصوير الرقمي لتحقيق الصورة الأمثل. ويستعرض آنغ من خلال فصول كتابه أعمال 20 مصوراً من أبرز رواد التصوير في العالم.
عشق تلقائي
وقبل الدخول في تفاصيل الفئات العشر، لا بد من الإضاءة على تجربة المصور آنغ، الذي بدأ رحلته مع التصوير في اليوم الذي وقف أمام صورة منظر عام خلال جولته في معرض المصور العالمي الفرنسي هنري كارتييه بريسون «1908-2004»، في جامعة نوتنغهام بلندن، وكان آنذاك يدرس الطب بمنحة دراسية. ولدى تأمله الصورة قال لنفسه: «أستطيع عمل ذلك».
ولم يكن يدرك حينها أن هذا التعليق يحمل في طياته شعوراً داخلياً مفاده وجوهره: «أريد عمل ذلك». وبعد مضي بضعة أسابيع اشترى آنغ كاميرا «لايكا M3»، مع بعض المعدات، كالعدسات وقياس الضوء. ويقول: «بالطبع اشتريتها بشيكات مؤجلة عجزت بعد فترة عن تسديدها، وهددت بالطرد من سكني الجامعي، ووجب عليّ بيعها». هذه التجربة شكلت خطوته الأولى في عالم التصوير، ليبدأ بعدها بتوسيع نشاطه والعمل كمصور حر بين الحين والآخر سواء في تصوير البيوت لشركات عقارية أو بورتريهات لفنانين مغمورين، لينتقل بعدها إلى العمل كمصور ومحرر صحفي في عدة مجلات متخصصة.
أبعاد
«يخطئ من يظن أن الصورة الفوتوغرافية تقتصر على بعدين: عرض وعمق. هذا القناعة تحد من الإبداع».. هذا ما يقوله آنغ في مقدمة الكتاب، قبل تناوله تقنيات التصوير في كل فئة من فئات التصوير العشر. وتقنيات معالجة الصورة، كما يبين، تساعد المصور في تشكيل أجواء الصورة التي يرغب بها لزيادة التأثير على المشاهد، أو لمساعدته على التركيز في محور منها، أو لإضفاء الجو الدرامي لتعزيز مضمونها وإيصال الرسالة. ويوضح من خلال تناوله الأبعاد الأربعة الأساسية المعنية بمعالجة الصورة، أن الهدف منها ليس تحسين الصورة فحسب، بل تعزيز الأجواء التي يرغب بها عبر إضافة أبعاد جديدة لها.
محاور
يتناول آنغ في كل فصل من كتابه المحاور الأساسية التي تساعد المصور على فهم أبعاد التعامل مع موضوعه، ابتداءً من الخطوة الأولى المعنية بمفهوم الفئة وأسسها في الجانب التقني، كالإضاءة وكادر اللقطة. وهو يتناول في فصل موسع المعايير الخاصة بتصوير البورتريه الأمثل بشقيه، كوجه أو للشخصية كاملة، ويؤكد انه يجب أن يحرص فيها المصور على إظهار سمات شخصية وروح الشخص المعني بالصورة، شارحا كيفية تواصل المصور معه لتحقيق الحالة المطلوبة: من استرخاء صاحب الصورة.. والتفاعل معه حتى الوصول إلى روح شخصيته خلال اختياره الوضعية المريحة له، مع قليل من توجيهات المصور له، ذلك كلمسة أخيرة. ويشمل ملخص معايير البورتريه الأمثل في نهاية الفصل، استناداً على صورة لكل منها:
ــ تفرد الأداء: يمكن إيصال الإحساس بروح وشخصية صاحب البورتريه، من خلال حركة الجسد والوضعية التي يمكنها الإفصاح عن الحالة.
ــ أهمية الإطار: تساعد الإطارات كالنوافذ والأقواس والأشجار وغيرها، في تشكيل حالة مضادة لوضعية صاحب الصورة، ما يشكل حالة تضاد تساعد في إبرازه بكادر الصورة ونقل المعنى.
ــ أجواء غامضة: يمكن خلق حالة الغموض المحيطة بالشخصية، من خلال اختيار زاوية غير مألوفة للإضاءة، متفادياً التواصل بالعينين معه، مع تقريب الوجه جداً من كادر الصورة.
ــ إضاءة لطيفة: كل وجه جميل ويستحق الاهتمام بمعالجته. وعلى المصور العمل على إضاءته بالتفكير والإبداع للوصول إلى الأفضل عبر ملامحه.
ــ تكريس الثقة: الكثير من الناس يكونون في حالة خجل حين تلتقط صورهم بينما هم لا يجدون شيئاً يشغلهم، وعليه، من الأفضل تصويرهم خلال عملهم أو استغراقهم في ممارسة إحدى هواياتهم.
ــ تعابير الوجه: والمقصود هنا، كما الحال في صور الأطفال التي يجب أن لا تقتصر على ابتسامتهم وبهجتهم، فلديهم أكثر منها في شخصيتهم.
ــ فصل العناصر: باستخدام العدسات السريعة بفتحة كاملة، وبأقل عمق للخلفية، فذاك يخدمنا في القدرة على فصل صاحب البورتريه عن الخلفية بأسلوب طبيعي يساعد على التركيز في ملامحه.
ــ لقطة عامة: مع زيادة حساسية التقنيات بالكاميرات الحديثة، يمكن تصوير جوقة عامة لشخوص عن بعد.
الحياة البرية
استفاد تصوير الطبيعة والحياة البرية كثيراً من تقدم التقنيات الحديثة، موظفاً ذلك في تمكنه من تقديم صور بديعة ومدهشة لأدق الكائنات، سواء في دقة تفاصيل الصورة أو نقائها. وتبرز أهمية التصوير هنا في دوره البناء والنوعي في حماية الكائنات المتناهية في الصغر وغيرها التي في طريقها إلى الانقراض، ذلك عبر توثيقها بالصور والدعوة إلى حمايتها في أسلوب رصدها فوتوغرافيا.
والطرق التي يتبعها المصور في هذه الفئة، بسيطة وتحقق له نتائج مبهرة ذات تأثير قوي على المشاهد:
ــ مقياس المسافة: اعمل على درجات المقياس المتوافرة لديك، علماً أن تصوير قطيع من الحيوانات يعادل بجمالياته تصوير كائن مجهري.
ــ اعرف موضوعك: تعرف على الكائن الراغب في تصويره واقرأ ما استطعت عنه، وراقب سلوكه عن قرب في بيئته. وكلما عرفت عنه أكثر، امتلكت القدرة على التنبؤ بسلوكه.
ــ الاقتراب: كلما اقتربت أكثر من الكائن لاكتشافه، اتسعت خياراتك في التقاط زاوية تركز فيها، إما على جمالية الألوان أو غيرها.
ــ الأبيض: لا تخش من اختيار اللون الأبيض في معالجتك لألوان الصورة، بهدف إبراز جماليات العنصر خارج إطار لونه.
ــ جمالية الرمادي: سيكشف تحويل بعض الصور إلى الأبيض والأسود، عن تفاصيل خامات جميلة كانت تائهة في الصورة الملونة.
ــ تجاوز الفخ: من السهل أن يضعف الكثير من المصورين أمام فكرة نصب فخ للطير أو الكائن المراد تصويره، لكن هذا الأسلوب يبعد الكائن عن سلوكه الطبيعي، وبالتالي لا يمكن التنبؤ بردة فعله.
ــ المسافة البعيدة: عندما تعمل في ظروف فيها تحديات كثيرة، من الأفضل استخدام العدسات بعيدة المدى مع فتحها إلى الحد الأقصى.
حقوق المؤلف والآخرين
لم يتم استخدام الصور الموجودة في الكتاب، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، وفيما يلي بعض الكلمات في هذا الإطار.
ما هو حق المؤلف؟
هو حق من حقوق الملكية الفكرية، يحمي نتاج العمل الفكريّ، من الأعمال الأدبية والفنية، ويشمل ذلك: المصنّفات المبتكرة في الأدب والموسيقي والفنون الجميلة كالرسم والنحت، بالإضافة إلى أعمال التكنولوجيا كالبرمجيّات وقواعد البيانات.
ما هي الحقوق المجاورة؟
هي الحقوق المرتبطة بحق المؤلف، يمنحها القانون لفئات معينة، كالمنتجين وفناني الأداء وهيئات الإذاعة. وتساعد المبتكرين على إيصال رسالتهم للجمهور ونشر أعمالهم.
للمزيد يرجى زيارة موقع جمعية الإمارات للملكية الفكرية www.eipa.ae
خلف كواليس السفر
يمدنا الاطلاع على مضمون تجربة المصور الفرنسي دينيس ديلو خلال زيارته القاهرة وبحثه عن صورة ناجحة، بقواعد أساسية مهمة في التصوير. إذ يقول: من الضروري أن توجد علاقة قوية بين المصور وعناصر موضوعه. أحب السير في شوارع القاهرة مع كاميرتي ومراقبة الناس بانتظار اللحظة.
10:10 أبدأ يومي بجولة كشفية في السوق المزدحمة في القاهرة القديمة. وهو المكان الذي يلتقي فيه الناس كل يوم جمعة. وفيه الكثير من الموضوعات الشيقة التي تثير اهتمامي وحيرتي.
10:25تاجر شاب حاول جهده إقناعي بالشراء. سألته إن كان بإمكاني تصويره، لكنه رفض.
11:15هذا المقهى يشكل موضوعاً مهماً. وقبل حصولي على أية صورة، جلست مع مجموعة من الرجال لشرب الشاي وطلبت موافقتهم على التصوير.
11:20استبدلت عدسة الكاميرا بعدسة 65 مم.
محاضر متخصص
عاد المصور توم آنغ بعد رحلاته مع «بعثة ماركو بولو» 1998، إلى العمل كمصور ومحرر في المجلات المتخصصة.
وبعد عامين تقدم لوظيفة محاضر في إحدى الجامعات وتم قبوله. وكان من ضمن المشاركين في عدد من لجان تحكيم دورات جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي.
ركائز
تحليل صورة البورتريه
يعد تصوير البورتريه أساسياً في العديد من فئات التصوير كالرياضة والوثائقي والسفر، والدوافع متنوعة في هذه الصورة، تتجلى في الشخصية أو في الفعل، كما في الصورة التي التقطها المصور جنيدي سوديرمان. ولتحقيق البورتريه الأمثل، حرص المصور على ما يلي:
ــ خلفية هادئة: بألوانها الحيادية أو الباهتة، والخطوط المستقيمة، والمساحات الخالية من تفاصيل، ما يؤسس لخلفية نموذجية بالنسبة لموضوع الصورة.
ــ فعل التوازن: كان من المحتمل أن تطغى التفاصيل الكثيرة. لكن تسليط المصور الضوء على صورة سيدة تمارس فعل الحياكة يساعد في تحقيق معادلة التوازن بالصورة.
ــ نمط مرهف: جميع الخامات حول الحائكة، من البامبو إلى الخلفية وقماش ثوبها المطبوع، تتناغم في تكثيف ملامح وجهها من خلال تأطيره بالتضاد. وربما أن خطوط القصب القريبة من وجهها تزيد من هذا التضاد.
ــ إضاءة الكواليس: من أبرز عوامل نجاح هذه الصورة الإضاءة الخافتة المنبعثة من مكان علوي، لتضيء جزءاً محدوداً من المشهد، ما يساعد في خلق وحدة بين العناصر.
اسم الكتاب: التصوير الرقمي لمصور متكامل
المؤلف: توم آنغ
الناشر: بنغوين راندوم هاوس- 2016
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط

الخميس، 2 يونيو 2016

الأفلام المقتبسة من عالم الأدب .. تقلص احتمالات الفشل وتضمن جمهور القراء


دبي – رشا المالح


معظم قصص الأفلام السينمائية التي اقتبست من عالم الأدب، على صعيد الرواية والقصة الطويلة والقصيرة، وأيضاً المسرحية، حصدت العديد من جوائز الأوسكار التي تعد في عالم الجوائز في المرتبة الأولى من حيث الأهمية والقيمة.
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد الأفلام الفائزة بجوائز أوسكار والمقتبسة من الرواية، منذ تأسيس الجائزة عام 1929 وحتى العام الجاري، هو 44 من أصل 82 فيلما. أما عدد الأفلام الفائزة والمقتبسة من نصوص مسرحية فهو 12 من أصل 82 فيلما. من المعروف لدى صناع السينما أن تحويل العمل الأدبي إلى فيلم سينمائي سلاح ذو حدين، وإن كانت إيجابياته تطغى في المحصلة. وبحد أدنى على الصعيد الإيجابي، يساهم الفيلم في تحقيق الشهرة للكاتب وتسويق الرواية مجدداً، أما على الصعيد السلبي، فقارئ الرواية يخرج في معظم الأحيان محملاً بالخيبة لإدراكه المفارقة الكبيرة بين الرواية والفيلم، سواء على صعيد المضمون أو الاختلاف الكبير بين صورة الشخصيات المرسومة في الكتاب ومخيلة القارئ، والأخرى في الفيلم.
ومع ذلك استطاعت بعض الأفلام التفوق على العمل الروائي، سواء في الطرح أو بناء الشخصيات، وإن كانت هذه الأعمال تعد على أصابع اليد الواحدة منذ تأسيس السينما وحتى يومنا هذا. ومثال على ذلك، فيلم (خارج إفريقيا) الذي فاز بالأوسكار عام 1985، وكذلك فيلم (الجسر على نهر كواي) الذي فرض تغيير اسم موقع جغرافي في اليابان لخطأ ورد في الرواية، والذي فاز بالأوسكار عام 1957. في حين أضافت بعض الأفلام عددا من المصطلحات التي بات يستخدمها العامة للتعبير بصورة مختزلة عن فكرتهم، مثل جملة (اعزفها مجدداً، سام) من فيلم كازابلانكا الذي فاز بالأوسكار عام 1944، وجملة (الحياة مثل وعاء مليء بالشكولاته) المأخوذة من فيلم (فوريست غامب)، الذي فاز بالأوسكار عام 1994.
وربما من المفيد هنا إدراج ملخص لأهم عشرة أفلام مقتبسة من أدب الرواية في مجمل تاريخ الجائزة، والتي يأتي ترتيبها تبعا لعدد جوائز التي حصدتها، علما أن اثنين من الأفلام التي حققت الأرقام القياسية في عدد الجوائز، عبر تاريخ الأوسكار، هي مقتبسة من الرواية: فيلم «بين - هور»، حصد 11 جائزة أوسكار 1959. إخراج الأميركي وليام ويلر. الرواية (بين - هور: قصة المسيح)للكاتب الأميركي لو والاس، ونشرت عام 1880

.
وقد حققت هذه الرواية لدى نشرها، نجاحاً كبيراً، واستمرت في التربع على رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعاً على الرغم من نجاح رواية (كوخ العم توم) للكاتبة هارييت بيشر ستو عام 1853، حتى عام صدور رواية (ذهب مع الريح) لمارغريت ميتشل 1936، لتعود مجدداً إلى رأس القائمة مع صدور الفيلم المقتبس من الرواية.
وتحكي الرواية التي تتمحور حول نشوء الديانة المسيحية، مغامرة الأمير والتاجر اليهودي يهوذا بن هور، في القدس، في القرن الأول. ومع عودة صديق طفولته ميسالا إلى الوطن، كضابط طموح في جحافل الجيش الروماني، أدرك كلاهما كم تغيرا واختلفت رؤيتهما وتطلعاتهما في الحياة. وخلال مسيرة عسكرية تسقط قطعة قرميد من سقف بيت يهودي، وبالكاد تصيب المحافظ الروماني.
على الرغم من ثقة ميسالا ببراءة عائلة بن هور، إلا أنه يدينهم بلا محاكمة. وعلى أثرها تسجن والدته وأخته ويحكم عليه كعبد روماني بالعمل المؤبد كطباخ سفينة، مع مصادرة أملاك الأسرة. ويبقى يهوذا على قيد الحياة ويسعفه الحظ في العودة لوطنه، ولكن هاجس الانتقام من ميسالا يسيطر عليه، إلا أنه يصادف في الطريق المسيح الذي يستلهم منه رؤية جديدة للحياة.
براعة
وأما فيلم «قائمة شيندلر»، والذي حصد 7 جوائز أوسكار 1993، ومن إخراج الأميركي ستيفن سبيلبرغ (مقتبس من رواية «فُلك شيندلر» للكاتب الأسترالي توماس كينالي -نشرت عام 1982)، فتحكي الرواية المستمدة فيه من واقع الحياة، قصة رجل الأعمال الألماني، الذي أنقذ ما يزيد عن 1000 يهودي بولندي وألماني من المعتقلات إبان الحرب العالمية الثانية، من خلال توظيفهم في مصانعه.
وقد برع سبيلبرغ في تحويل القصة إلى دراما سينمائية بمشاركة عمالقة من الممثلين، مثل البريطاني بين كينغسلي (الذي قام بدور غاندي) والإيرلندي ليام نيسون (الذي قام بدور الثوري مايكل كولينز) .
والبريطاني رالف فينس (الذي قام بدور المريض الإنجليزي). وصور سبيلبرغ الفيلم بالأبيض والأسود ولم يظهر فيه اللون سوى مرتين، الأولى مع المعطف الأحمر والثانية مع إنارة الشموع.
اتسم فيلم «الجسر على نهر كواي» الذي حصد 7 جوائز أوسكار 1957(من إخراج البريطاني ديفيد لين، ومقتبس من رواية «الجسر على نهر كواي» للكاتب الفرنسي بيير بول -نشرت عام 1952)، بملمح معالجاته التاريخية المعمقة، وتدور أحداث الرواية مابين عامي 1942 و1943، في موقع تاريخي، وتتمحور حول بناء السكة الحديدية، وتجسد الصراع بين سجناء الحرب البريطانيين وجيش الإمبراطور البريطاني، لبناء جسر سكة الموت، حيث أطلق عليه هذا الاسم بسبب موت عدد كبير من السجناء خلال بنائه.
وعن نجاح هذا الفيلم الإنجليزي، يكفي القول إن الخطأ الوارد في الرواية والخاص باسم موقع الجسر، على نهر كواي والذي يقع في الحقيقة على نهرماي خلونغ والذي انسحب على الفيلم أيضا، قد دفع تايلند إلى تغيير اسم الموقع الحقيقي، تبعا لما ورد في الفيلم والرواية، وذلك نتيجة الوفود السياحية التي كانت تقصد المكان الذي دارت فيها الأحداث. علما أن الفيلم تم تصويره في سيريلانكما.
وتدور أحداث الرواية في فيلم «الرقص مع الذئاب»، والذي حصد 7 جوائز أوسكار 1990
إخراج الأميركي كيفن كوستنر، ومقتبس عن رواية «الرقص مع الذئاب» للكاتب الأميركي بيير بول -نشرت عام 1986)، حول الحرب الأهلية في الولايات المتحدة والصراع مع الهنود الحمر، سكان المنطقة الأصليين.
وتؤدي إصابة بطل العمل، الضابط جون جيه دانبار، إلى نقله لمعسكر آخر، ومن ثم ما يشبه نفيه إلى قلعة مهجورة. وهناك تنشأ صداقة متينة بينه وبين أحد الذئاب، والتي تشبه صداقته بحصانه، ومن ثم مع إحدى القبائل الهندية التي يختار حياتها نهجا له.
وجزء من الجوائز التي حصدها الفيلم، تعود إلى التصوير الإيجابي لحياة وثقافة شعب أميركا الأصلي. وللأسف لم يستطع كوستنر بعد ذلك تحقيق نجاح مشابه في الإخراج.
ويحفل فيلم» فورست غامب»، الذي حصد 6 جوائز أوسكار 1994، وهو من إخراج الأميركي روبرت زيميكيس، ومقتبس عن رواية «فورست غامب» للكاتب الأميركي وينستون غروم، التي نشرت عام 1986، بالكثير من الاحداث الجاذبة.
وقد انقلبت حياة الروائي الأميركي غروم، بعد أن تحولت روايته إلى فيلم سينمائي، إذ ارتفعت المبيعات من 40 ألف نسخة، قبل الفيلم، إلى مليون وسبعمئة ألف نسخة بعد عرضه وانتشاره.
ويحكي فيها بأسلوب إنساني كوميدي قصة حياة شاب بقدرات عقلية محدودة، يشق طريقه في الحياة ويحقق النجاح. ومن أسباب نجاح الفيلم هو إعجاب المخرج زيميكيس، بشخصية فوريست غامب، وتكريس طاقاته وطاقات الفريق الفنية لإبراز هذه الشخصية. وبعد عرض الفيلم باتت مقولة البطل غامب: (الحياة مثل إناء مليء بالشوكولاته)، جزءاً من المصطلحات الأميركية الدارجة.
وأما فيلم «أحدهم طار فوق عش العصفور»، الذي حصد 5 جوائز أوسكار 1975، ومن إخراج الأميركي ميلوز فورمان، وهو مقتبس من رواية «أحدهم طار فوق عش العصفور» للكاتب الأميركي كين كيسي، نشرت عام 1962. فقد استلهم الكاتب موضوع روايته من مرحلة عمله كمناوب ليلي في مهجع الأمراض النفسية في إحدى المستشفيات، بهدف الحصول على دخل إضافي.
أظهر في العمل قناعته بشأن سوء نظام العلاج والذي يتعارض مع حجز الأطباء للمرضى. ويعتبر هذا الفيلم، الأول في جوائز الأوسكار الذي حصد فيه كل من جائزة أفضل فيلم ومخرج وممثل وممثلة وسيناريو، وذلك منذ عام 1934.
وهو يحكي قصة مجرم يدعي الجنون للهروب من الحكم بالسجن، وفي المصحة يتحول إلى نصير للمرضى ويقودهم في ثورة تمرد ضد سوء المعاملة التي يواجهونها. وقد استطاع مخرج فيلم «صمت الحملان»، الأميركي جوناثان ديم، هذا الفيلم الذي حصد 5 جوائز أوسكار 1991، المقتبس من رواية «صمت الحملان» للكاتب الأميركي توماس هاريس، التي نشرت عام 1988، استطاع تحويل هذه الرواية إلى نسيج سينمائي يصعب على المشاهد نسيانه لزمن طويل، فقد جمع بين الإثارة والرعب وعمق التحليل النفسي.
ويقال إن كاتب الرواية استوحى شخصية بطلها، الطبيب النفسي هانيبال، ليحمي المجرم وآكل اللحم البشري، من خمسة سفاحين على أرض الواقع. ويعتبر هذا الفيلم الثالث في تاريخ الجوائز الذي يحصل خمسة جوائز رئيسية، أسوة بفيلم (أحدهم طار فوق عشر العصفور).
في النص الدرامي لم يقتص مساق الاقتباس في هذا الخصوص على الروايات، إذ طال أيضاً النصوص المسرحية، ومن أبرزها فيلمين من الأفلام المقتبسة من النصوص المسرحية الإثني عشر، والتي حصدت عدداً من جوائز الأوسكار، وعلى رأسها فيلم (صوت الموسيقى) 1966 الذي حاز على 5 جوائز أوسكار، والمقتبس من مسرحية موسيقية تحمل العنوان نفسه.
والتي عرضت على مسرح برودواي ابتداء من عام 1959 وحتى 2009، وأيضا فيلم (سيدتي الجميلة) 1965 الذي حاز على 8 جوائز أوسكار، والمقتبس من مسرحية بعنوان (بجماليون) للكاتب المسرحي الايرلندي جورج برناردشو.
الفيلم «لا تستطيع أخذها معك» حصد جائزتين من أوسكار 1939
إخراج الأميركي فرانك كابرا
المسرحية لا تستطيع أخذها معك للكاتب الأميركي جورج كوفمان ومس هارت وعرضت عام 1936. حازت تلك المسرحية الكوميدية على جائزة بولتيزر لنصوص الدراما، وتنتقد الفوارق الطبقية والحياة المزيفة، وذلك من خلال عائلتين، الأولى عائلة سيكامور المتواضعة التي توحي في البداية أنها عائلة غريبة الأطوار أقرب إلى الجنون مقابل عائلة كيربي الثرية والمرتبطة بالتقاليد العريقة.
لكن تتالي الأحداث سرعان ما يؤكد أن الاعتقاد بأن عائلة سيكامور يحكمها الجنون يعني بالتأكيد جنون العالم، فهذه العائلة المتماسكة تحتضن أفرادها بالحب والود بعكس عائلة كيربي التي ينسحب منها الابن العاشق لابنة سيكامور وليلحقه والده في نهاية العمل. نال الفيلم جائزتي أفضل صورة وإخراج، علما أنها الجائزة الثالثة للمخرج فرانك كابرا من أصل ستة أوسكارات فاز بها سواء كأفضل مخرج أو أفضل عمل.
يتضمن فيلم «كازابلانكا» الذي حصد 3 جوائز من أوسكار 1944، وهو من إخراج الأميركي مايكل كورتيز، ومأخوذ عن مسرحية «الجميع يأتي إلى ريك» للكاتبين الأميركيين: موراي بورنيت وجوان أليسون، والتي لم تنشر.
يتضمن ملامح تشويق وتميز خاصين، فحين فشل كاتبا المسرحية بورتيت وأليسون في العثور على منتج في برودواي، باعا حقوق المسرحية بمبلغ 20 ألف دولار لشركة وورنر براذرز. فحولت الشركة النص إلى سيناريو فيلم بعنوان كازابلانكا، والتعديلات التي تمت على نص المسرحية طفيفة جداً.
وتقع أحداث الفيلم في المغرب في أوائل ديسمبر عام 1941، قبل الهجوم على ميناء هاربر، ومعظم مشاهد الفيلم وأحداثه تدور في مقهى ريك الشخصية الباردة والساخرة من العالم. هذا المقهى الذي يستقطب نماذج مختلفة من الزبائن، من الفرنسيين الفاشيين والطليان وضباط ألمانيا النازيين، إلى جانب اللاجئين الهاربين من بلدانهم والراغبين في الوصول إلى أميركا التي لم تشترك في الحرب بعد.
ويتضح من خلال الحادث أن الصورة الخارجية الحيادية التي يظهر فيها ريك، تخفي وجهاً آخر، فهو يهرب السلاح إلى أثيوبيا لموجهة الاحتلال الإيطالي عام 1935، ومناصرة الجمهوريين في حرب إسبانيا الأهلية ضد جماعة الدكتاتور فرانشيسكو فرانكو. ويتصاعد هذا الكشف من خلال لقائه مجدداً بحبيبته النرويجية السابقة إليسا لوند، التي دخلت مقهاه مصادفة برفقة زوجها.
ومن ثوابت نجاح هذا الفيلم رسوخه في ذاكرة المشاهدين، إضافة إلى اعتبار الجملة الأخيرة في الفيلم من أجمل وأهم ما قدم في تاريخ السينما، حيث يقول البطل ريك لقائد الشرطة الفرنسي، في المشهد الأخير: (لويس، أعتقد أن هذه اللحظة ستكون بداية لصداقة جميلة)، إضافة إلى جملة ريك التي يقول فيها لصديقه عازف البيانو الأميركي الإفريقي: (اعزفها مجدداً سام)، وذلك لكون تلك المعزوفة تحمل ذكرى ماضي العلاقة بين ريك وإلزا.
في الختام
لا يزال صناع السينما حتى يومنا هذا يبحثون عبر أرفف المكتبات، عن كتب تقدم لهم مادة جديرة بترجمتها إلى فيلم سينمائي. واختيار رواية أو مسرحية ناجحة، يضمن للمخرج عدم فشل الفيلم وضمان جمهور كبير، أو هو بحد أدنى قراء الرواية.


الخميس، 3 مارس 2016

لهم عالمهم ولنا عالمنا



جمعتني الصحافة بالعديد من المبدعين العرب في شتى حقول الفن، من الأدب إلى فنون الأداء والتشكيل، وتميز عملي في المهرجانات عن سواها، بتمضية زمن أطول أتاح لي التواصل مع بضعهم على الصعيد الإنساني، ولكن عبثاً لم أجد ما كنت أنشده. فأنا لا يعنيني التقاط صور تذكارية معهم والتباهي بها، فما أبحث عنه جوهر التجربة الإنسانية.

تمنيت أن يخرج واحداً منهم من عباءة نجومية الفنان، ويتواصل كإنسان يدفعه فضوله أو شغفه بمعرفة عوالم أو تجربة من يتواصلون معه، على أي صعيد كان. وللأسف لم أجد هذا الاستثناء طيلة سنوات عملي العشر، فكل من التقيته مسكون بهاجس توسيع شبكة اتصالاته المهنية.

بالطبع لا يمكننا نكران هذا المحور الأساسي في لقاءات المهرجانات، لكن اكتفاء الفنان بسماع صوته أو صوت من يفتح له بوابة آفاق أوسع لشهرته، يكسر الخاطر ويوسع من رقعة الوحشة والعزلة الداخلية، ويعزز القناعة في أن لهم عالمهم ولنا عالمنا لتبقى حلقة الوصل بينهم وبين الناس مفقودة.

بيننا الكثير من المبدعين والخلاقين الذين لم تُسلط عليهم أضواء الشهرة، وبالتالي يُسقطون هذه الفئة من حسابهم، وعليه يخسرون فرصة اكتشاف عوالم الآخرين وإغناء وتعميق تجربتهم الإنسانية والإبداعية. فكم من حوارات بترت في بدايتها أو منتصفها بسبب عدم المبالاة إن لم يكن المبدع من يتحدث.

الخوف أن تركب فئة المبدعين المجهولين الموجة ويعزلون أنفسهم أسوة بمن سبقهم، ليتحولوا إلى رموز استنزفت عطاءها وينابيع إبداعها. 

الخميس، 7 يناير 2016

صفوان داحول: أرسم لحظة ما التقطته نفسي


يرى نفسه مصوراً أكثر من كونه تشكيلياً



تميز الفنان التشكيلي السوري صفوان داحول الذي وصل إلى العالمية، بخصوصية أسلوبه الفني الذي شكل علامة المصدر: 
    دبي – رشا المالح

فارقة قائمة بحد ذاتها في عالم الفن العربي والغربي، والذي لا يخلو مزاد من مزادات كريستيز للأعمال الفنية بدبي في السنوات الأخيرة من عمل أو أكثر له، كما شكلت لوحاته جزءاً من خصوصية الأجواء الدرامية في مسلسل «جلسات نسائية» للمخرج مثنى الصبح.
  
وبهدف الاقتراب من وجدانيات داحول التي تتجلى في مختلف أعماله ولسنوات طويلة ومعرفة الحد الفاصل بينها وبين مهنية الفنان، التقت به البيان بمرسمه في دبي مقر إقامته.
 يدخل المتأمل للوحات داحول في حالة قريبة من الصوفية ليستغرق في جمالية مشهد اللوحة، لينتقل بهدوء من أجواء واقعيته السحرية على خلفية موسيقى تدرجات الأبيض والأسود، إلى التفاصيل والعلاقة المتداخلة بين التكوين والمساحة من جهة، وبين الحالة الوجدانية المطلة من عنصر المرأة الحاضر في لوحاته ليتابع تعبير العين المنكسر تارة والشاهد تارة أخرى إلى حركة أصابع اليد وانحناءة الرأس أو تكور الجسد من جهة أخرى.
يقول داحول حول وجدانيات واقعيته السحرية: «أرى نفسي مصوراً فوتوغرافياً أكثر مني رساماً، في لحظات السكون أمسك بكاميرتي لألتقط ما أراه في تداعيات لحظة من الحياة، ولأثبت ما التقطته عدستي الداخلية في هدأة السكون والصمت».
ارتقاء بالاختزال
وينتقل إلى عنصر المرأة بطل لوحاته: «تصبح بعض العناصر قريبة جداً من وجدان الرسام مع تراكم التجربة وتزداد غنى في وسائل تعبيرها التي ترتقي إلى الأختزال والتقشف بعيداً عن بهرجة الألوان أو التفاصيل. وأنا بطبعي إنسان أحب التقشف وعليه فإن تكويناتي جزء مني، وأتوقف عن العمل على اللوحة حينما أصل إلى القناعة أن الجرح الخفي فيها أوصل رسالته».
غنى داخلي
يحكي عن عمق وجدانياته: «كل إنسان فينا غني من الداخل، ومن يبحث في أعماقه يجده، ليصبح حضوره وتلاقيه أكبر. بإرادتنا نخفي وجدانياتنا عن أنفسنا، وما يحفز حضورها الدائم البحث والقلق والهم والتفكير الذي يقودني إلى اكتشافات في نفسي وفي لوحاتي. هذه الحالات يعيشها الفنان ولا يصطنعها، وخلال عملي حالياً على لوحة بالأبيض والأسود تتداعى التأملات عن اللونين الأبيض والأسود، وكيف يرى بعض الناس في الأبيض رمزاً للحياة وبعضهم الآخر يراه رمزاً للموت.
أما فيما يخص الحد الفاصل عند الفنان بين تدفق الوجدان أو حالة الانفعال والحرفة فيقول:«تأتي فكرة اللوحة في لحظة وجدانية خلال أجزاء من الثانية، ليتحقق جزء منها في اللوحة، ولتجبره العناصر الأخرى بالمعنى التقني مثل كيفية توزيع الألوان وتدرجاتها وتكوين العناصر على الانفصال والتعامل بانضباط وحرفية مهنية صارمة».
روح التجدد
ورداً على المقولة التي مفادها أن كل عمل إبداعي يقتطع جزءاً من روح الفنان يقول:«برأيي العكس هو الصحيح، فالفنان المبدع يتجدد مع كل عمل يقدمه، وإحساسه بالرضا والسعادة بعده هو خطوة لعمل آخر يساهم في اتساع ورحابة روحه وقدرته على الاغتناء وتحمل الظروف. وأرى عمل الفنان جزءاً من مذكراته اليومية ».
سيرة داحول
ولد صفوان داحول في سوريا عام 1961، ويقيم حالياً في دبي. درس الفن في معهد سهيل الأحدب وكلية الفنون الجميلة بدمشق. وحصل عام 1987على منحة دراسية من وزارة التعليم العالي للدراسة في بلجيكا، لينال شهادة الدكتوراه عام 1997.