بيت الأشباح

بيت الأشباح
أدب الرعب

الجمعة، 30 مارس 2012

الفائزون بجائزة «أبراج كابيتال» 2012



المصدر : رشا المالح

كشف معرض (آرت دبي 2012) عن أعمال الفائزين الخمسة بجائزة "أبراج كابيتال للفنون" في دورتها الرابعة، حيث استلهم تيسير البطنيجي (1966) عمله، من حكاية شقيقه الذي قتل برصاصة قناص في اليوم التاسع من الانتقاضة في غزة عام 1987، ولم يكن قد مضى على زواجه أكثر من عامين. وترجم تساؤله هل من الممكن تحويل ما هو غائب إلى شيء ملموس؟ في عمل يحمل أبعاد فكرته في الذاكرة بين الخاص والعام، وقام بنقش 60 لوحة من الورق دون حبر، مستلهما موضوعاتها جمعياً من صور زفاف شقيقه، وفرح العائلة.

وجسد اللبناني رائد ياسين (1979) محاولة الإنسان للبناني للوصول إلى معادلة مع نفسه، بشأن انعكاسات الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) عليه خاصة وأن هيمنة الطائفية مازالت حاضرة، من خلال (فازات ) البورسلين الصيني التي استبدل مشاهدها التاريخية من الصين بصراعات الحرب الأهلية اللبنانية.

وقدم الفنان المصري وائل شوقي (1971) عملاً بعنوان (لمحة من التاريخ النظيف) من خلال  صندوق الفرجه الذي تفتح ستارته كل دقيقتين على مجسمات الزعماء الذين حضروا أجتماع االكاردينال التاريخي الذي حثهم فيه على تشكيل أول حملة صليبية عام 1905.

أما المشروع المشترك لكل من جوانا حاجي توما وخليل جريج من لبنان فجمع بين الفن المفاهيمي وفيلم الفيديو، الذي يتجلى موضوعه من عنوان (تصل الرسالة إلى وجهتها دائما)، حيث يقابل المشاهد على الشاشة مجموعة من الشخوص من مختلف الجنسيات والذين يتحدث كل منهم تباعاً عن رسالته التي اعتاد الناس استلامها عبر البريدي الالكتروني، والمشكوك بأمرها مثل تهريب الأموال وطلب العنوان المصرفي وغير ذلك.

أما عمل ريشام سيد من الباكستان فتكمن خصوصيته بالجمع بين جغرافية السياسة المعاصرة والتاريخ القديم لتجارة القطن، بين الهند والامبراطورية البريطانية.

المشاركة في جائزة 2013

تقبل طلبات الفنانين والقيّمين لعام 2013 عبر الإنترنت من 30 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 30 نيسان/أبريل 2012
- يتوجب على الفنانين الحصول على موافقة مسؤولي الترشيح الرسميين المدرجة أسماؤهم على الموقع الإلكتروني.
- تراجع اللجنة طلبات المشاركة وتختار الرابحين بشكل جماعي. وما أن يتم اختيارهم، تتاح أمام الفنانين فترة ستة أشهر على الأقل لتنفيذ أعمالهم الفنية ليتم الكشف عنها في شهر مارس في معرض آرت دبي، أكبر المعارض الفنية في الشرق الأوسط.
- تفتح أبواب المشاركة أمام الفنانين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، مع عدم وجود قيود على الفئة العمرية ونوع الوسائط المستخدمة في إنتاج العمل الفني. ويتوجب في هذه الأعمال أن تحمل روح الثقافة الإقليمية لتنال إعجاب الجمهور العالمي.

لمزيد من المعلومات يرجى زيارة موقع الجائزة :
abraajcapitalartprize.com

السعادة جوهرة يبحث عنها الجميع




المصدر: رشا المالح

التاريخ:
 
ما السعادة؟ هل هي وهم وحالة افتراضية، أم فعل مكتسب؟ هل تحقيقها مرتبط بالظروف أم بموروثات الإنسان؟ هل هي شعور مطلق أم نسبي؟ هل تحقيق الإنسان لأحلامه وأمنياته يضمن له السعادة، وإن حرم من بعضها غابت عنه؟ أم ان السعادة ترتبط بالقناعة؟ وهل صحيح أنها غاية لا تدرك؟

كانت السعادة هاجس البشرية منذ الأزل، واختلف الفلاسفة قديماً وحديثاً حول مفهومها، إن كانت مرتبطة بالمحيط الخارجي أم انها شعور نابع من داخل الإنسان، وله القدرة على التحكم به. وكان السفسطائيون في ما مضى يعتقدون بأن السعادة مرهونة باتباع الأهواء، بينما كانت قناعة سقراط وأفلاطون بأن السعادة تكمن في الفضيلة.

وقال أصحاب مذهب المنفعة ان الخير الأفضل يكمن بأكبر مساهمة في المجتمع، وبالتالي في إسعاد الآخرين، أما في الطاوية والبوذية فيقولون ان السعادة تكمن في التقشف والتخلي عن الملذات، وفي الأديان السماوية تربط السعادة بالرضا والقناعة وصفاء النفس. أما الفيلسوف الصيني الكونفوشي مينكوس، فقال قبل 2300 عام، ان العقل يلعب دوراً في الموازنة بين الذات العليا (المثل والقيم) والذات السفلى (النفسية)، وكلاهما بحاجة إلى غذائهما المعنوي المتوازن.

«كيمياء السعادة»

نشر الصوفي الغزالي (1058 1111) كتاباً في (كيمياء السعادة) وفيه العديد من التعاليم الروحية من العالم الإسلامي التي تتبع في يومنا هذا، ويذكر في فصل واحد، ثلاثة أشياء تبنى عليها السعادة: (تمام السعادة مبني على ثلاثة أشياء: قوة الغضب، قوة الشهوة، قوة العلم..

فيحتاج أن يكون أمرها متوسطاً؛ لئلا تزيد قوة الشهوة فتخرجه إلى الرخص فيهلك، أو تزيد قوة الغضب فتخرجه إلى الجموح فيهلك. فإذا توسطت القوتان بإشارة قوة العلم، دل على طريق الهداية، وكذلك الغضب إذا زاد سهل عليه الضرب والقتل.

وإذا نقص ذهبت الغيرة والحمية في الدين والدنيا، وإذا توسط كان الصبر والشجاعة والحكمة. وكذا الشهوة إذا زادت كان الفسق والفجور، وإن نقصت كان العجز والفتور، إن توسطت كان العفة والقناعة وأمثال ذلك).

ينابيع

علينا أن نميز بين السعادة الآنية التي ترتبط بزمن محدود، مثل الفرح أو البهجة التي نشعر بها من خلال جمالية المكان الذي يحيط بنا، أو في دائرة الأصدقاء الطيبين التي تحيط بنا، أو متعة مشاهدة جمال الطبيعة، وتذوق الأطعمة الشهية والروائح الزكية. وترتبط قيمة وعمق هذا النوع من السعادة بمدى نقائها وصفائها.

أما السعادة الأكثر ديمومة وأثراً في حياة الإنسان، فهي النابعة من الأفعال الإنسانية النبيلة، والأمثلة عليها عديدة، منها العطاء والكرم والإيثار. ومدى السعادة مرتبط بمراتب ودرجات الفعل، فأثر سعادة الكرم بما هو فائض، أقل من مقاسمة الغير بما يرغبه ويشتهيه لنفسه، كذلك العطاء المعنوي كزمن ومؤازرة، وحب وطاقة واستيعاب. وينسحب هذا الأمر على المشاعر أيضاً فالسعادة الناجمة عن الشفقة أقل زخماً من مشاعر التعاطف.

وما يكسبه الإنسان من أفعاله النبيلة يتجلى في البداية بالرضا عن النفس، الذي يتحول إلى نوع أعلى من السعادة التي تتمثل بحالة السكينة والسلام والطمأنينة التي تخيم على روحه، والتي تبقى معه بعكس السعادة الآنية، وهذا النوع من السعادة يمده بالحيوية والطاقة المتجددة.

هذه السكينة تمنح الإنسان القدرة على التأمل، وبالتالي الارتقاء بوعيه الإنساني والتواصل مع ذاته الداخلية والتعرف على كوامن نفسه ومساره في الحياة. ويكتسب خلال هذه المرحلة من الارتقاء، البصيرة والحكمة التي تتناسب طردا مع قدرته على التأمل والوعي بإنسانيته والفهم لنفسه وللمحيط من حوله.



فارق

إن مفهوم السعادة متحول ومرتبط بكل مرحلة عمرية وبكل حضارة وبيئة ومجتمع، آخذين في الاعتبار الفارق بين جوهر السعادة، وما يتم الترويج له في الإعلام من منظور جديد أو مختلف للسعادة والمرتبط دوماً بصناعة الاستهلاك وتحقيق المكاسب والأرباح، ابتداء من ارتباط السعادة بمفهوم الجمال أو الشباب، ووصولا إلى كماليات ورفاهيات الحياة.

ويمكن ربط مفهوم السعادة المتحول، بأبرز المراحل العمرية للإنسان، وهي السنوات الأولى من عمر المولود، سنوات الدراسة والمراهقة، ومرحلة الشباب، ومنتصف العمر. والمرتبطة بدورها بحضارة وثقافة وبيئة كل مجتمع في مراحل ازدهاره ونكوصه.

السنوات الأولى

ترتبط سعادة الطفل في سنواته الأولى بإشباع احتياجاته الأساسية من الطعام والشراب ووصولا إلى دفء التواصل في إطار الأسرة، والاستقرار النفسي والإحساس بالأمان، والحصول على الاهتمام الكافي.

المراهقة

ترتبط السعادة في هذه المرحلة، باكتشاف المراهقين لقدراتهم التي تميزهم عن الآخرين، وبروح المنافسة، والمغامرة واكتشاف العالم الخارجي. وغالباً ما ينشدونها من محيطهم الخارجي، وبكسر الروتين وكل ما هو متعارف عليه، وغالباً ما يمنحهم تحديهم لأسرتهم ومحاولة تجاوز الخطوط الحمراء، شعوراً بالقوة والحبور والتفاخر.

الشباب

فتيات وأحلام وشطآن خيال، لحرية الانطلاق والعيش كحورية في حكايات الجدات. شبان وبطولات وفتوحات .. لأراض بكر لم يكتشفها أحد من قبل، ويلتقي فارس الأحلام بأميرة الزمان في مملكة شيدت قصورها من الرمال. وهكذا تبدأ الحكايات لتنتهي بانهيار الأبطال.

هذه بعض الأحلام التي ترسمها مخيلة الشباب عن السعادة، لكن سرعان ما يصطدمون بحقيقة الواقع البعيد عن المثل والنظريات التي درسوها وقرؤوها في الأدب والفلسفة، ليبدؤوا البحث عن حقيقة السعادة من خلال دخولهم في صراعات الحياة. وصعوبات هذه المرحلة ترتبط بمدى الوعي الذي اكتسبه الشباب في مراحلهم السابقة.

ومدى حماية أو عزل أسرهم بعيدا عن مصداقية ومعترك الحياة. وكثير منهم يتملكهم اليأس في بداية الطريق ويعجزون عن إيجاد طريقهم ويستسلمون للأقدار دون أية محاولة لإدراك معنى السعادة التي يعتبرونها مجرد وهم وجزء من رومانسية المراهقة.

وتجد كل فئة في هذه المرحلة، سعادتها في منظومة معينة من القيم أو المكتسبات أو النجاحات، حيث تلعب المفاهيم السائدة في المجتمع دوراً كبيراً في تشكيلها والترويج لها، ففي حضارة نجد السعادة تكمن في العيش في رحاب العلوم والأدب والمعرفة، وغيرها في الانتصارات والحروب والبطولات، وأخرى في التعايش السلمي والاكتفاء الذاتي والتركيز على الروحانيات.

منتصف العمر

غالباً ما ينشد من تجاوزوا مرحلة الشباب السعادة، في السلام الداخلي والسكينة والاستقرار. ويرجع ذلك إلى تحرر فكر الإنسان من الانطباعات السلبية السابقة والمرونة في التعامل مع الحياة والتخلص من التوتر، وقد أثبتت نتائج دراسات في جامعة وسكونسن الأميركية، أن مهارات الإنسان الفطرية كسرعة التفكير وتحسين الخبرات والمرونة الذهنية تزداد في متوسط العمر.

ويؤكد الدكتور آرثر. إيه. ستون من جامعة ستوي بروك ذلك في دراسته التي يذكر فيها، أن الإنسان كلما تقدم به العمر، زادت حنكته وحكمته وذكاؤه، وأن الأشخاص من الفئة العمرية المتقدمة يتذكرون السلبيات بنسبة أقل، مما يسهل عليهم تحكمهم بمشاعرهم وأوضاعهم النفسية.

في الأدب

تناولت الرواية مفهوم السعادة منذ نشأتها، وأخذت في الاعتبار الفرق بين الأعمال التي تبحث في هذا المفهوم والأعمال التي تمنح قارءها شعوراً من السعادة يبقى معه طويلاً، ويعود إليه كلما احتاجه.

ومن أبرز تلك الأعمال في الأدب الكلاسيكي العالمي، رواية (كبرياء وتحامل) للروائية البريطانية جين أوستن، ورواية (جيم المحظوظ) لكينغسلي إيميس والتي تتميز بحس الفكاهة الاستثنائي المسخر في نقد كل من وسط الأكاديميين في أعلى المراتب والزيف الاجتماعي في الطبقات الراقية والمثقفة.

كما تناول الأديب الاميركي اللبناني الأصل جبران خليل جبران، مفهوم السعادة في مجمل أعماله، وأبرزها كتابه (النبي) الذي يحكي عن مفهوم السعادة في مختلف جوانب الحياة.

ويشكل أسلوب السرد واللغة والإيقاع والعوالم التي يخلقها الأديب من شاعر أو روائي أو قاص، واحة من السعادة التي تمنح القارئ في البداية شعوراً بالراحة والسكينة، لينتقل بعدها تبعاً لعمق وقيمة العمل، إلى التأمل والتفكر وإعادة صياغة العديد من أفكاره حول مفهوم السعادة في الحياة.

وظهر في الحقبة الأخيرة من القرن الماضي اهتمام كبير بهذا الجانب، ونشرت آلاف الكتب التي تتناول العوامل النفسية التي تساعد الإنسان على تجاوز محنة وتحقيق السعادة، ومن أبرز الكتب العربية التي لاقت إقبالاً واسعاً في هذا الإطار كتاب (لا تحزن) للدكتور عائض القرني الذي يقدم فيه بعض المفاتيح التي تتنقل بالإنسان من حالة الحزن إلى طريق السعادة.

ومن ذلك: (اعلم أنك إذا لم تعش في حدود يومك تشتت ذهنك، واضطربت عليك أمورك، وكثرت همومك وغمومك، وهذا معنى: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح").

أما الكتاب الأجنبي الذي حقق نجاحاً نوعيا في مختلف بلدان العالم والذي ترجم إلى العربية، فهو كتاب (السر) للإعلامية الاسترالية روندا بايرن، والذي بيع منه ما يزيد على 21 مليون نسخة منذ صدوره عام 2006، وترجم إلى 44 لغة.

الأحد، 11 مارس 2012

شهرزاد الرواية العربية بين جيل الرائدات والكلام المباح



ساد لزمن ليس بالبعيد، اعتقاد بأن أول رواية كتبت في العالم العربي هي (زينب) للأديب المصري الدكتور محمد حسين هيكل، والتي نشرت عام 1914.

ولكن سرعان ما تبين أن ما يزيد عن خمس كاتبات كانت لهن الأسبقية في القرن التاسع عشر. أي أن المرأة لم تدخل عالم الرواية حديثا ،ولم يكن هذا العالم حكراً على الرجل ،كما أشيع من قبل.حضور الروائية العربية لم يغب عن الساحة منذ القرن التاسع عشر، وقسم النقاد والباحثون مسيرتها من خلال الأجيال التي كان لها الريادة أو الحضور القوي، خاصة في عصر النهضة العربية في الخمسينيات والستينيات، وإن بقي نتاجها في الظل أو على هامش نتاج الرجل حتى أواخر القرن العشرين، لتأخذ الروائية العربية الريادة وليحتل نتاجها خاصة في الزمن المعاصر قوائم الكتب الأعلى مبيعاً.

نستعرض فيما يلي الخطوط الرئيسية لملامح مسيرة إبداع وانجازات الروائية العربية عبر التاريخ وما قدمنه اللواتي أقمن في المهجر، بما في ذلك التحديات التي واجهنها والدعم الذي حظين به لصقل وتبلور إبداعهن، وذلك من خلال الدراسات التي قدمت في هذا الإطار، بعيداً عن جدليات النقاد حول الأدب النسوي والأدب النسائي الذي نظمت له مؤتمرات وندوات لا حصر لها. سجل اختلف النقاد حينا واتفقوا حيناً آخر على من كتب الرواية العربية الأولى، وكل منهم يسحب البساط لصالح بلده، ولكن في المجمل ضم جيل رائدات الرواية في القرن التاسع عشر كل من:

الروائية اللبنانية زينب فواز (1846 - 1914) التي نشرت روايتين هما (حسن العواقب ـ غادة الزهراء) التي نشرت عام 1899 وقد أودعتها الكثير من العادات العاملية لا سيّما عادات الاُسرة التي قضت مدّة في خدمتها في جبل عامل بلبنان، ورواية (الملك كورش أول ملوك الفرس) ونشرت عام 1905، وهي رواية تاريخية عاطفية. تلقت زينب التي لقبت بـ (درة المشرق) تعليمها في الاسكندرية، بعدما عاشت بين لبنان وسورية. وفي مصر تفتحت موهبتها في الشعر والسرد. واللبنانية لبيبة هاشم (1880 ـ 1952) التي نشرت روايتها (قلب رجل) عام 1904. عاشت لبيبة في البداية بين لبنان ومصر. وهناك أصدرت مجلتها التي حملت عنوان (فتاة الشرق) عام 1906، حيث تتلمذت في مصر على يد الشيخ ابراهيم اليازجي، ثم عينتها الحكومة السورية عام 1930 في وزارة المعارف للتفتيش على المدارس لاهتمامها الكبير بالتعليم.

وبعد فترة قصيرة هاجرت إلى تشيلي وأصدرت في سنتياغو سنة (1923) مجلة (الشرق والغرب) التي استمرت لمدة عام، ثم عادت إلى مصر لتشرف على مجلتها السابقة.

واللبنانية لبيبة ميخائيل صوايا (1876 ـ 1916) التي نشرت رواية (حسناء سالونيك) عام 1909والصادرة من دمشق. كانت روايتها تلك بمثابة تاريخ للحركة الإصلاحية التي قام بها رجال جمعية الاتحاد والترقي ونشرتها بعد إعلان الدستور (1908) ولاقت رواجاً كبيراً، إلى جانب ترجمتها لرواية بالانجليزية بعنوان (الحنو الطاهر) عام 1913، وتوفيت إبان الحرب العالمية الأولى في حمص بسورية حيث كانت تدير إحدى المدارس.

ويضاف إلى القائمة كل من اللبنانية أليس بطرس البستاني ولها رواية »صائبة» التي نشرتها عام 1891، وعالجت فيها قضية نسائية هي أقدر على فهمها والكتابة فيها. واللافت للانتباه أن عنوان روايتها اتخذ من اسم امرأة.

ومن سورية رواية عفيفة آظن الدمشقية (فابيولا) التي نشرت عام 1895، كما ترجمت آظن العديد من الروايات من الفرنسية إلى العربية كرواية (الرحلة الكاليفورنية) للكاتب الفرنسي الكسندر دوماس عام 1892 وتميزت بعباراتها الرشيقة السلسة.

ومن مصر عائشة التيمورية (1840 ـ 1902) ولها رواية (نتاج الأحوال في الأقوال والأفعال) التي نشرت عام 1885، ورواية (اللقاء بعد الشتات). نشأت عائشة في بيت علم سياسة، وتزوجت في الرابعة عشر من عمرها، وأتاحت لها حياتها الرغيدة في بيت زوجها محمد بك توفيق الإسلامبولي، الاستزادة من العلم وأتقنت نظم الشعر والسرد إلى جانب إتقانها للغتين الفارسية والتركية وهي من تولت تعليم شقيقها الأصغر العالم الأديب أحمد تيمور.

الجيل الثاني

شهدت البلدان العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، نهضة عربية ثقافية نادت بتحرر المرأة وحقها في التعليم والعمل. وكان لهذه النهضة وروادها أمثال عبد الرحمن الكواكبي وقاسم أمين والشيخ محمد عبده، دور كبير في تفعيل دور المرأة بمختلف قطاعات الحياة. وفي تلك الأجواء الثقافية الخصبة برز عدد كبير من الأديبات والروائيات اللواتي استطعن من خلال نتاجهن الأدبي ترسيخ مكانتهن على خارطة الأدب العربي.

تناولت أديبات الجيل الثاني في باكورة أعمالهن قضايا الوطن وهمومه، لينتقلن بعد اكتسابهن المزيد من المصداقية والجرأة إلى الجمع بين الشأن العام والخاص. وأبرزهن في لبنان كل من ليلى بعلبي (1934)، وإميلي نصرالله (1931)، وفي سوريا ألفة أدلبي (1912 ـ 2007) وكوليت خوري 1937، وفي مصر نوال السعداوي (1930)، وفي الجزائر زهور ونيسي (1936).

ومن كاتبات المهجر الروائية الجزائرية آسيا جبار (1936) التي رشحت لجائزة نوبل أكثر من مرة، والتي نشرت أول رواية لها بعنوان (العطش) عام 1953 ولم تكن أكملت العشرين عاماً من عمرها بعد. من أهم أعمال آسيا واسمها الحقيقي (فاطمة الزهراء) التي هاجرت إلى فرنسا عام 1980 حباً بالسينما، رباعيتها الروائية، التي تحمل العناوين التالية حسب ترتيب نشرها، (نساء الجزائر)، و(ظل السلطانة)، و(الحب والفنتازيا)، و(بعيداً عن المدينة).

أطلت بعلبكي على الساحة الأدبية بروايتها (أنا أحيا) عام 1958، واستقبلتها الأوساط الأدبية بالإعجاب وجزء من المجتمع بالتجهم، لتحدي بطلة روايتها (لينا الطيبي) التقاليد وتجاوز الممنوعات.

ويذكر أن ليلى قوبلت بزوبعة نقدية واسعة لدى نشر مجموعتها القصصية بعنوان «سفينة حنان إلى القمر» عام 1964، حيث بادرت وزارة الإعلام بمنع الكتاب نظراً لاحتواء إحدى القصص مقطعاً أو جملة وصفت بـ (الإباحية). حوكمت ليلى آنذاك وأوقفت، ثم تراجعت المحكمة عن قرار المنع مع تبرئتها. والمقطع الذي أثار تلك البلبلة في تلك المرحلة لا يقارن بما وصلت إليه الجرأة في الزمن الراهن على أيدي الكاتبات. انصرفت ليلى بعد تلك المحنة إلى الصحافة وتوقف عن كتابة الرواية.

كما أثارث الروائية والباحثة والمؤرخة الفلسطينية سحر خليفة، نقداً لاذعاً لدى نشرها روايتها الأولى (لم نعد جواري لكم) عام 1974 من دار المعارف في القاهرة، والتي كتبتها سرا خلال فترة زواجها الذي أرغمت عليه وبقيت في أسره 13 عاماً.

حققت سحر نجاحاً متميزاً على صعيد دراستها الأكاديمية التي توجت بشهادة الدكتوراه من جامعة آيوا في الولايات المتحدة. وعلى صعيد الرواية، كانت قضية فلسطين والمشهد الاجتماعي تسيران معاً في خطين متوازيين في معظم أعمالها. وقد حازت سحر على العديد من الجوائز الأدبية العالمية القديرة.

وفي سورية لفتت رواية (أيام معه) لكوليت خوري التي صدرت عام 1959، انتباه النقاد والمثقفين وأثارت عاصفة من حولها بسبب ما ينطوي عليه النص من جرأة في التعبير والمكاشفة. وكشفت لاحقاً أنها استلهمت موضوع روايتها من قصة حبها مع الشاعر ونصير المرأة الراحل نزار قباني، حيث أجبر كلاهما على السفر شرقا وغرباً، وما تبقى بينهما هو الرواية و35 رسالة بحوزة الكاتبة.

الجيل الثالث

مهد الجيل الثاني من الروائيات الطريق أمام من تلاهن، وكان الثمن الذي دفعنه كبيراً سواء على صعيد المجتمع أو الهيمنة الذكورية في الأوساط الأديبة. ومع نهضة التعليم ودخول المرأة معترك الحياة، برز عدد كبير من الكاتبات والروائيات من مختلف البلدان العربية، وتميزت كل منهم بخصوصية وتفرد أسلوبها.

ومن أبرز الروائيات اللاتي لا يزال نتاجهن حاضراً ومقروءاً، فاطمة المرنيسي (1941) من المغرب التي اشتهرت بروايتها (أحلام النساء الحريم - مذكرات طفولة) المنشورة عام 1987، والتي استطاعت من خلالها أن تنقل بمهارة حياة كاملة بما فيها من وقائع وأحداث على لسان طفلة. واللبنانية حنان الشيخ (1945) التي أطلت على الساحة الأدبية بروايتها التي حققت شهرتها وهي بعنوان (حكاية زهرة) ونشرت عام 1980.

ومن سورية ماري رشو (1942)، وغادة السمان (1942) التي تميزت بغزارة إنتاجها وفرادة أسلوبها وبالجمع بين حياتها الشخصية والأدبية، ومعاصرة القضايا القومية والحرب الأهلية في لبنان وغيرها.

ومن مصر رضوى عاشور (1946) ولها ثلاثية غرناطة التي نشرت خلال عامي 1994 و1995. وتتضمن المجموعة العديد غيرهن مثل سلوى بكر (1949) من مصر، وليلى عثمان (1943) من الكويت، وأحلام مستغانمي (1953) من الجزائر، وهدى بركات (1952) من لبنان، وسميحة خريس (1956) من الاردن.

ومن المهجر الروائية المصرية أهداف سويف (1950) التي استطاعت أن تثبت مكانتها الأدبية في الغرب والشرق أسوة بآسيا جبار، ومن أهم أعمالها، (عين شمس) ونشرت عام 1992 (خارطة الحب) عام 1999.

الجيل المعاصر

برز في أواخر القرن العشرين أصوات عدد كبير من الروائيات من مختلف البلدان العربية وفي مقدمتها السعودية. وتحلى الجيل المعاصر من الكاتبات بجرأة كبيرة وكسرن الكثير من القيود والتابوهات، لتكتب المرأة والأنثى فيهن عن تجاربها وعلاقتها بجسدها وبالرجل والمجتمع المحيط بها. وجمع نتاجهن الغزير الذي تشهده الساحة العربية، بين الإبداع وقوائم الأكثر مبيعاً.

السبت، 25 فبراير 2012

الحب.. رهينة أحكام الزمان والمكان

ارتطام الإنسان بصخرة الواقع سمة قصصه

الثلاثاء، 24 يناير 2012

السينما الصامتة لغة عالمية في ذاكرة الحاضر

 


ترجع جذور صناعة السينما إلى 3000 عام قبل الميلاد، حيث كان رجل الكهف يقدم حركات إيمائية بيديه بجانب النار لتنعكس ظلالها على جدران الكهف، وتلاه الصينيون بمسرح الظل، ومن بعدها رحلة اكتشاف العدسات وانعكاسات الضوء، والمعالجة الكيميائية للمواد الحساسة للضوء التي تطورت على مدى العصور.

يعود بنا تقصي تاريخ السينما الصامتة، إلى ما قبل ثلاث سنوات من رسم الفنان والعالم الإيطالي ليوناردو دافنشي (1452 1519) للوحته (الموناليزا)، حيث عُثر بين أوراقه على تصميم كامل لصندوق الكاميرا المظلمة كان قد رسمه عام 1500، كما تشير سيرته الذاتية إلى دراسة أخرى له عن الكاميرا والمصباح السحري.

وقدم عالم الرياضيات الإيطالي جيرولامو كاردانو (1501 1576) في القرن السادس عشر السينما الحية، معتمداً على صندوق الكاميرا المظلمة، حيث كان يجلس الأشراف في غرفة لتنعكس صورتهم الحية خارجاً، ووثَّق تفاصيل تجربته الدقيقة معتمداً على عدسات ثنائية محدبة. وأضاف عالم الفلك والرياضيات الألماني يوهانز كيبلر (1571 1630) المزيد من التطور لآلية عمل الكاميرا، من خلال كيفية تحويل الثنائية الثابتة للصورة إلى متحركة، واستخدمها الفنانون والأطباء على حد سواء.

وظهرت في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر كاميرا (الفانوس السحري) التي أطلقت خيال الفنانين بتقديم صور مرعبة من الأشبــاح والهياكل العظميــة على الجدار. ولاقت عروض الفانوس السحري في أوروبـــا شعبية واسعة خاصة في فرنسا، وكانت الغايــة من العـــروض إرعاب المشاهدين.

ويقال إن هذه الأفلام كانت نواة تطور سينما الرعب في الغرب. استغرقت الرحلة من الكهف إلى جهاز الكاينتوسكوب الذي تلى الفانوس السحري، ما يقارب 2450 عاماً، أما الجهاز فكان أشبه بنواة عرض السينما، وإن كان تصميمه ليتم عرض الأفلام بشكل فردي من خلال عدسة للعين في صندوق كبير.

ويتجلى مما سبق مشاركة العديد من العلماء والمختصين في تطوير آلة الكاميرا المتحركة، إلا أن العالم الذي كان لــه الدور الأكــبر في تطويــر هذه الآلة إلى مفهوم تجاري هو توماس أديسون ومساعده ويليام ك ديكسون عام 1892، حيث قدموا أفلاماً عملية على فيلم 35 مم، والذي بقي في السينما كمقياس معتمد حتى يومنا هذا. أما أول عرض لجهاز كاينتوسكوب فكان في 14 أبريل عام 1894 في نيويورك.ولا يمكن إرجاع اختراع آلة السينمــا إلى أي اسم بالتحديد فقد شارك عدد كبير في تطويرها.

ولكن يرجع إلى الأخوين لويس وأوغســـت لوميير في فرنسا الذين ابتكروا كاميرتهم الخاصة المحمولة وجهاز العرض، وأطلق على كاميرتهم اسم (سينماتوغراف)، وكانت سرعة التصوير في فيلمهم 16 كادر في الثانية والتي استمرت حتى ظهور السينما الناطقة التي اعتمد بعدها مقياس السرعة على 24 كادر.



أول فيلم

أُنتج الفيلم الأول في العالم في استوديو (ماريا السوداء)، الذي بني على أرض مختبرات العالم أديسون غرب أورانج بنيو جيرسي، في الأول من فبراير عام 1893 بكلفة بلغت 637.67 دولاراً أميركياً. وقد سجل أديسون حقوق ملكية أول فيلم في مكتب الكونغرس عام 1893. وحمل الفيلم اسم (العطسة)، وكان الأول ضمن سلسلة من الأفلام القصيرة التي صنعها لجمهور جهاز الفانوس السحري. وكانت مدة الفيلم خمس ثوان، وعبارة عن مجموعة من اللقطات الثابتة مع تسجيل كوميدي لمساعده فريد أوتو وهو يعطس. ويعتبر هذا الفيلم من الأفلام النادرة التي تمكن القائمون على السينما من إنقاذها.

أما أول فيلم سردي فكان للويس لو برنس عام 1888، وكانت مدته ثانيتان عن أشخاص يسيرون في حدائق شوارع أوكوود وحمل عنوان (مشهد حديقة راونداي). كما ازدهرت الأفلام لتصل إلى (العهد الصامت) الذي سبق السينما الناطقة في نهاية العشرينات، وتميزت بنوعية عالية من الجودة.وتمركزت معظم شركات الانتـــاج في الولايـــات المتحــدة في أو بجانب هولييــود على الساحل الغربي.

إضافة إلى صناعة بعض الأفـــلام في نيوجــيرســــي وأستوريـــا في لونــغ آيلند. وتحولت السينما إلى صناعة ضخمة في منتصــف العشرينات، حيث بلغ مجمـــوع رأس المـــال المستثمر مليــاريّ دولار. ومـــع نهايـــــة العشرينـــــات كان في هوليــوود 20 استوديــو وكان الطلب على الأفلام أكبر من أي وقـــت مضى. والكثيرون لا يدركون أن أضخم انتاج للأفـــلام كان في الولايات المتحدة ما بين العشرينات والثلاثينات بمعدل إصدار 800 فيلم في العام، مقارنة بالإنتاج الحالي الذي يتجاوز 500 فيلم في العام.

والفيلم الصامت يعتمد عادة على حركات الإيماء لدى الممثلين إلى جانب لوحات الكتابة التي تظهر بين بعض المشاهد والفرق الموسيقية التي ترافق الأفلام، والتي بدأت بمصاحبة البيانو كما في أفلام لوميير. واعتبرت الموسيقى جزءاً رئيسياً من صناعة السينما منذ البداية لتتطور وتأخذ صفة الموسيقى التصويرية.

كانت الأفلام الصامتة في بدايتهـــا قصيرة ولا تتجاوز مدتها دقائق معدودة، ووصلــــت إلى أوجهـا من حيث بنية قصة الفيلم وطولــه في أوائل عام 1910، ومن أبرز أفلام السينما الصامتــة فيلم (مولد أمـــة) عام 1915 من الولايات المتحدة للمخرج ديفيد وارك غريفيث (1849 -1875).

وفيلــم (قمرة الدكتــور كاليغاري) عام 1919 من ألمانيـــا (1873 1938)، وفيــ روسيــا فيلم (إضراب) عام 1925 للمخرج سيرغي آيسنشتاين (1898 1948).أما الأفلام التي كتب لها أن يستمر عرضها حتى يومنا هذا وتلقى إقبالاً كبيرا،ً فهي أفلام الفنان والمخرج السينمائي شارلي شابلن (1889 1977) الذي اعتبر ظاهرة فنية تاريخية. ومن أبرز أفلامه، (حمـــى الذهب) عام 1925، و(أضواء المدينة) عام 1931، و(الأزمنـــة الحديثـــة) عام 1936. وكان شابلن قد رفض تبنـــي السينمـــــا الناطقة واستمر في تقديم شخصيته الشهيرة (المتشرد) بأفلامه.



السينما الألمانية

ظهرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى حركة فنية انسحبت على جميع قطاعات الفنون ودعيت بالتعبيرية، وبلغت التعبيرية عصرها الذهبي في السينما الألمانية عام 1920، نظراً للحرية الكبيرة التي تمتعت بها تلك الصناعة. واعتبرت التعبيرية أسلوباً فنياً، تميز بالظلال الداكنة، والتوزيع الدرامي للإضاءة، والسرد بالصورة البصرية، وغرابة الشخصيات، وزوايا التصوير غير المألوفة للشوارع والأبنية وغيرها، مع مواقع ذات تصور تجريدي، ومن أبرز الأفلام في هذا الإطار فيلم (القط والكناري) للمخرج بول ليني عام 1927.



السينما الناطقة

شكل ظهور شركة (فيتافون) في أميركا عام 1925 1926 ثورة في الصناعة التقنية، وأعلنت (وورنر براذرز) صاحبة الشركة عن السينما الناطقة وتزامن الصورة مع الصوت. وكان جلَّ طموح الشركة أن تسجل الموسيقــى ومؤثرات صوتية. ومع ظهور هذه التقنيـة واجهت استوديوهات الأفلام الكثير من الصعوبات المرتبطة بالصوت خاصة مع اقتصار السوق على اللغة الإنجليزية. كما امتدت الصعوبة إلى فريق العمل، فالكثير من مشاهير الممثلين والممثلات لم يمتلكوا أصواتاً جيدة، وهكذا خبا نجمهم. أما حركة الكاميرا فأصبحت محدودة نتيجة إصدارها الأصوات عند تحريكها، كما واجه الممثلون صعوبات خلال تمثيلهم مع الحرص على عدم إصدار أصوات خلال حركتهم وكلامهم.

الاثنين، 23 يناير 2012

موسيقيون عباقرة يستلهمون مــن الأدب روائع مقطوعاتهم



نجح العديد من رواد الموسيقى في نقل روح الأدب إلى موسيقاهم خاصة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ليقدموا روائع الألحان والمعزوفات التي باتت من الأعمال الكلاسيكية المعروفة في مختلف بلدان العالم دون استثناء، وتأتي في مقدمتهم كل من (شهرزاد) و(روميو وجولييت) و(دكتور زيفاغو).

يعيد الموسيقار بموهبته وإحساسه المرهف ومخيلته الواسعة، كتابة الرواية بلغته الموسيقية. ليحمل المستمع وقارئ العمل برؤيا مشاعره، إلى عوالم أبعد وأسمى وأشف من التي نقلها إليه الكتاب، لتكون فرقة الأوركسترا مرآة لشخصيات العمل، ولُِتترجم حبكة الرواية وأحداثها إلى إيقاعات وأنغام تتصاعد وتتسارع وتهداً وتستكين تبعاً للحدث.

من حكايات ألف ليلة وليلة، استلهم الموسيقار الروسي نيكولاى أندرييف رمسكي كورساكوف (1844 -1908)، معزوفته الشهيرة (شهرزاد).

ومن مسرحية (روميو وجولييت) لشكسبير، استوحى الموسيقار الروسي بيتر إليتش تشايكوفسكي معزوفته الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه. ومن رواية (دكتور زيفاغو) للشاعر والكاتب بوريس ليونيدوفيتش باسترناك (1890 1960)، حقق الموسيقار الفرنسي موريس جار (1924 2009)، نجاحاً كتب له شهرة عالمية.

شهرزاد

استلهم كورساكوف مسار سيمفونيته التي ألفها عام 1887 من شخصية (شهرزاد) الرئيسية، التي تميزت بدهائها إلى جانب سحرها وجمالها، حيث تمكنت من إنقاذ حياتها وحياة الآلاف من النساء، عبر الحكايات المشوقة التي كانت تقصها على السلطان شهريار ليلة بعد أخرى حتى برد حزنه وغضبه وألغى أوامره بقتلها. وكانت قصصها تتناقل شفوياً عبر مئات السنين ليتم تدوينها في القرن الثامن عشر.

وكان سحر الشرق في القرن التاسع عشر مركز افتتان الملحنين، لما يكتنفه من غموض وأجواء وعوالم روحية. فمن تلك العوالم، همست أوتار موسيقاه أسراراً، وتأججت ألحانه ناراً، وأمواج محيطاته فيروزاً، ونشرت أنغامه عطور حدائق وبساتين فواحة، لتضج الحياة بألقها وروعتها.

وتضم هذه المعزوفة أربع حركات، تحمل كل منها عنواناً خاصاً بها، مع الأخذ في الاعتبار أن بناء المعزوفة يحمل محورين موسيقيين، الأول خاص بالسلطان ويتمثل بالنغمة أو اللحن البطيء المفخم ذي الإيقاعات القوية التي تبث الفزع في النفس، ويحمل المحول الثاني الخاص بشهرزاد، لحناً انسياباً متناغماً وعذباً.

يُذكر أن كورساكوف عاش عامي 1887 و1888 مرحلة غريبة من حياته، فقد لحن خلال هذين العامين ثلاث مقطوعات شهيرة هي، (شهرزاد، وكابريشيو إسبانيول، وافتتاحية مهرجان الفصح الروسي)، ليتوقف بعدها عن التأليف للأوركسترا، وليركز على الأوبرا تحديداً.

البحر وسفينة سندباد

يستهل كورساكوف افتتاحية معزوفته من أجواء السلطان لتنساب باتجاه عوالم شهرزاد. وتصف هذه الحركة سندباد المغامر البحار ومكتشف المحيطات، ووصوله إلى الجزيرة التي يتضح أنها ظهر حوت. والتقط في هذا المقطع تبدل المشاعر وتغيرها وتلون أحوال البحار، مع ترداد المقطع عدة مرات ولكن بصورة متجددة في كل مرة.

قصة الأمير قندهار

ينقل في هذه الحركة أجواء مشحونة بالعاطفة والإغواء والإثارة، عبر العزف الفردي بين آلة وأخرى في الأوركسترا. ويصور فيها قصة الأمير الذي يتنكر كرجل قبيلة من الدراويش، لتتصاعد الموسيقى بقوة الدوامة ولتنتهي بصورة مفاجئة درامية.

الأمير والأميرة

تدور الحركة الثالثة حول قصة حب، مليئة بالحب والمشاعر الحانية والدافئة وأصداء الحنين، ليقاطعها كورساكوف بين الحين والآخر بلحن منضبط صارم، قبل وصولها إلى قمة النهاية التي تجمع بين العذوبة والرقة والسكينة.

احتفال في بغداد

تجمع الحركة الأخيرة بين تأجج النار وهيجان الإعصار، وتترجم أجواء المهرجان الاحتفالية، قبل هيمنة غضبة العاصفة السوداء. وتضم الحركة الرابعة مجموعة من أجزاء القصص السابقة المتداخلة، حيث يتذكر السلطان كل شيء قالته له شهرزاد، ليبدأ باحترامها وتقديرها. وفي نهاية الحركة يتلاقى المحوران ويندمج اللحن المنخفض العميق مع النغمة الطافية المتصاعدة.

روميو وجولييت

تعتبر سيمفونية (روميو وجولييت) لتشايكوفسكي من روائع ما ألفه وبمثابة قصيدة شعرية، إلى جانب مقطوعتيه (العاصفة) و(هاملت) اللتين استلهمهما من أعمال شكسبير أيضاً. وما تتميز به هذه المقطوعة عن غيرها من مؤلفاته أنها لها شكل السوناتا ولا تنقسم إلى أربع حركات، مع مقدمة وتمهيد. وتعتمد على فصول المسرحية الثلاث.

يتناول في الفصل الأول شخصية فراير لورنس السامية من خلال أجواء روسية تحمل في طياتها الحب المحرم الذي عبر عنه بالوتريات المنخفضة، حيث كان اللحن ينساب قدماً وعودةً بين الأوتار والريح التي تنفخ في الأبواق لتزداد قوتها، ومنها إلى مبارزة السيوف. أما الإيقاعات المستوحاة من موسيقى الشارع فتشير إلى شخصية إيغور سترافينسكي وما بعده.

ينتقل تشايكوفسكي في هذا الفصل بصورة مفاجئة إلى إيقاع بطيء، حيث نسمع لحن أوتار الحب الحافلة بالعاطفة والتوق المحمل بالقلق الذي يحمله كل من جولييت وروميو، ابتداءً من لقائهما الأول تحت شرفة جولييت التي تعتبر محور أحداث الحب.

ينتقل بعدها إلى الصراع، بلحن مشحون بكثافة الانفعالات المتصاعدة، حيث تتحول موسيقى الأوتار إلى ما يشبه وقع السياط بمرافقة الناي الذي ينقل حالة ألم ومعاناة الحبيبين، ومنها إلى تصعيد يشير إلى انتحار الحبيبين، ليختم معزوفته بلحن هادئ بطيء الإيقاع، ولتأخذ أبواق النفخ دورها في عزف ذكرى ذاك الحب.أما قصة كتابة تشايكوفسكي الى اللحن، فتعود إلى المرحلة التي كان فيها مدرساً في المعهد الموسيقي في موسكو، وكان حينها شديد النقد لأعماله التي كان يدمرها بعد انتهائه من تلحينها.

حيث وصل إلى قناعة أنه استنزف قدراته الإبداعية. عندها أصر عليه مرشده الموسيقار بالاكيري أن يؤلف مقطوعة عن مسرحية (روميو وجولييت)، وكتب له مجموعة من المقترحات لبنية المقطوعة، مع إشارته إلى نوعية الموسيقى المطلوبة في كل فصل ومفاتيح العلامات المقترح استخدامها. وقدم له مثالاً معزوفته التي استلهمها من مسرحية (الملك لير).

النسخة الأولى

كتب تشايكوفسكي في النسخة الأولى الافتتاحية والمواجهة بين محوري العمل، بالصورة الأكاديمية لأي ملحن طلب منه هذا اللحن. وكان رد بالاكيري بعدما سمع المقطوعة، (عزفت المقطوعة عدة مرات، وأرغب في تهنئتك) وركز على الفصل الخاص بترجمة مشاعر الحب.

عمل تشايكوفسكي على تنقيح لحنه بصورة مستمرة وكانت رسائل البريد في حركة دائمة بين الطرفين. في النهاية أهدى المؤلف اللحن لمرشده عرفاناً بجميله.

وقدمت المقطوعة لأول مرة في 16 مارس عام 1870، وكان التجاوب معها كبيراً. وكتب المؤلف في ذاك اليوم، (تبع الحفل مأدبة عشاء. ولم يتفوه أي من الجالسين بكلمة عن الافتتاح طيلة الأمسية، ومع ذلك كنت في توق شديد لسماع كلمات تعرب عن التقدير والإعجاب).

النسخة الثانية

دفع فشل المقطوعة تشايكوفسكي إلى إعادة النظر في عمله والأخذ بجميع ملاحظات مرشده، وإلى تجاوز نفسه والانتقال إلى ما بعد قدراته الأكاديمية، وأعاد كتابة الكثير من المقاطع التي نسمعها اليوم مع عدم الاقتراب من المقطع الخاص بالحب، الذي سبقه بموسيقى تمثل حالة من التوتر.

وعادت الثقة بالنفس إلى المؤلف حينما أبدى عازف البيانو نيكولاي روبنشتاين إعجابه باللحن وطلب نشره في دار (بوت وبوك) ببرلين، لكن بالاكيري بعث له برسالة قال له فيها (من المؤسف أنك وروبنشتاين تتعجلان في نشر المقطوعة. فعلى الرغم من أن النسخة المعدلة أفضل، فهناك حاجة إلى المزيد من التغييرات.

وآمل لأجل المستقبل أن تبقى المقطوعة بين يديك لوقت أطول). وتم عزف المقطوعة المعدلة في سانت بطرسبرغ في 17 فبراير عام 1872.

النسخة الثالثة

أعاد تشايكوفسكي كتابة المقطوعة بعد مضي عشر سنوات، وحملت مقطوعته عنواناً فرعياً (افتتاحية فانتازيا)، وانتهى منها في 10 سبتمبر عام 1880، ولم يقدم حفلها الأول إلا في 1 مايو عام 1886 في جورجيا.

د. زيفاغو

رغب مخرج الفيلم ديفيد لين في بداية الأمر، أن يستخدم أغنية روسية تتناسب مع شخصية بطلة الفيلم والرواية (لارا)، لكنه عندما لم يعثر على غايته طلب من موريس جار خلال عمله على موسيقى (دكتور زيفاغو)، أن يرسم بموسيقاه تصوراً لشخصية لارا.

وبعد العديد من المحاولات الفاشلة التي استغرقت ما يقارب من خمسة أسابيع، طلب لين من جار أن يذهب إلى الطبيعة، حيث الجبال ليكتب مقطوعته، وفي فندق جبلي وضع اللحن خلال دقائق معدودة.

أحب لين المقطوعة لدرجة أنه استخدمها في عدة مقاطع من الفيلم عند منتجته. وحققت الموسيقى نجاحاً منقطع النظير، وباتت إحدى أهم المقطوعات الموسيقية في الستينات وحتى يومنا هذا، إلى جانب فوزه بجائزة أوسكار عام 1965، وليطلب منه تحويلها إلى أغنية حملت عنوان (في مكان ما حبيبي

الاثنين، 16 يناير 2012

الخوف عدوٌ أم صديق؟

الخوف صديقٌ أم عدو

هل الخوف صديق الإنسان أم عدوه؟ سؤال يعتمد على تعامل الإنسان مع مشاعر الخوف التي تكتنفه، فإما أن تدفعه لمواجهته وتجاوزه، أو الاستسلام له ليشل حياته ويدفعه إلى حالة العجز والانكفاء على نفسه. ومشاعر الخوف التي يعيشها أو يواجهها الإنسان متنوعة ولا حصر لها.

يمكن إحالة الخوف إلى عوامل خارجية وداخلية، وكل منها تضم قائمة واسعة من الأسباب لا يمكن حصرها، وإن غاب بعضها مع مرور الزمن فإن تطور الحضارات كفيل بخلق دوافعٍ جديدة يفرزها الواقع المعاصر. وعليه فإن مشاعر الخوف تلازم الإنسان طيلة حياته، وبالتالي تكون مواجهتها إما بصورة جماعية أو فردية.

ونظراً لكون مشاعر الخوف جزءاً بارزاً من كينونة الإنسان وصيرورة الحياة، كان من الطبيعي أن تجد تلك المشاعر من أصغرها كالحذر المعتدل والحيطة، إلى تطرفها المتمثل في الفوبيا والبارانويا، طريقها إلى البحوث العلمية والفلسفية وعوالم الأدب والفن.

الخوف الإيجابي
في البداية نتعرف على مشاعر الخوف من خلال وجهها الإيجابي، على الرغم من وصفه الدائم بالسلبية، فعلى أرض الواقع تأتي إلينا مشاعر الخوف لتحمينا وتحذرنا من خطر متوقع. وعليه فإنها تشحذ أحاسيسنا ووعينا بكل شيء يحيط بنا، لنتمكن من مواجهة أي تهديد أو أذى.

وإن كنا في مواجهة حدث أو تغيير مستقبلي، فإن الخوف يطلب منا أن نستعد لهذا التغيير ويقول، (أنتم مقبلون على أمر جديد ومختلف، وعليكم أن تكونوا مستعدين له وللتعامل مع كل ما يمكن أن يحمله من مستجدات).

هذا يعني أن الخوف يشكل أحد الدوافع التي توجهنا، لنقف في مواجهة إما الخوف من الفشل أو الرفض، أو الخسارة مما يدفعنا لاتخاذ كل ما يلزم للتغلب على تلك المشاعر السلبية.

هذه المواجهة تدفعنا إلى طرق أبواب جديدة واكتشاف خيارات وبدائل ومصادر جديدة لم تكن واردة لدينا من قبل، فالخوف من الرفض يدفعنا إلى الخروج عن مسارنا لبذل المزيد من الجهد لتقديم المزيد من القيمة لجوهر معرفتنا بهدف الحفاظ عليها واستمراريتها ونجاحها.

الخوف السلبي
يشل الخوف السلبي مشاعر وحركة الإنسان، ويمنعه من التطور والإقدام على أي تغيير في حياته وبالتالي الوقوع في فخ الكآبة والمرارة والنقمة. ويأتي هنا دور الطب النفسي ليساعد على مواجهة الإنسان لخوفه والتحرر منه، ابتداءً بالمخاوف العادية إلى الصدمات النفسية التي تجعل الفرد يعيش في حالة هلع يصعب الخروج منها بمفرده.

والخوف السلبي يدفع الإنسان لاختيار تحديات بسيطة بأقل المخاطر، إلى جانب اعتماد النفس الداخلية عليه للدفاع عن وجودها وبالتالي تلعب دوراً مخادعاً، لتقنع الفكر بأن ما هو عليه هو القرار الصائب. هذه المعادلة تقلص الاحتمالات والبدائل أمام الإنسان.

وبالتالي تحرمه من الكثير من الفرص. كما أن الخوف من ارتكاب الأخطاء، يجعل فكر الإنسان ضبابياً وغير قادرٍ على اتخاذ القرار، ويحول بينه وبين ما يرغب في معرفته.

الخوف في هذه الحالة يبني جداراً عازلاً بيننا وبين تفاعلنا مع الحياة، ويحول دون طرح الأسئلة التي نحتاج من خلالها إلى بناء روحنا ودعم مشاعرنا، ويقنعنا بالاستسلام لظرفنا بدلاً من نشدان ما نرغب به في حياتنا. وإن كنا نسمع فيما مضى مقولة (اهرب وانج بحياتك أو قاتل)، فإن الرديف الثالث لهذه الحالة هو الشلل والعجز عن الحركة والتصرف.

مفهوم الخوف بين الماضي البعيد والحاضر كبير، فبينما كان الخوف فيما مضى حارس الإنسان الأمين لنجاته من مخاطر الموت في الحياة البرية، فإن الخوف في العصور الحديثة بات معقداً وشائكاً ومتشعباً.

ومثال جيد على ردود الفعل الثلاثة، هو رصد ردة فعل مسافرين في مركب يوشك على الغرق، فنجد أن عدداً كبيراً من الركاب غرقوا بسبب جمودهم في مقاعدهم، بينما أفقد الرعب قلة منهم توازنهم، في حين اختار البعض مسك زمام الأمور ومساعدة الآخرين على النجاة.

الخوف الخارجي والداخلي
ينقسم الخوف الخارجي إلى قسمين، خوف جماعي وخوف فردي. الخوف الجماعي يتمثل في الأوبئة التي تجتاح المجتمع كالطاعون والجدري والشلل إلى أمراض العصر كالسيدا والسرطان والتهاب الكبد الوبائي وغيرها، إضافة إلى تهديدات الطبيعة كالبراكين والزلازل والأعاصير، والحروب، إلى جانب تهديدات البيئة والنتائج التي تواجهها البلدان نتيجة الإساءة إليها في الأزمنة السابقة.

والخوف الفردي يتمثل، بالخوف من شيء ما كالعناكب، أو الصراصير، أو المرتفعات، أوالأماكن المغلقة، أو الظلمة. وتصل درجة الخوف عند البعض حد البارانويا والرهاب، حيث يفقد الإنسان توازنه وتتسارع نبضات قلبه، ويصعب عليه التنفس ليصل في بعض الحالات إلى حالة فقدان الوعي والإغماء أو مفارقة الحياة.

أما الخوف الداخلي فينشأ، نتيجة أسباب عديدة ابتداء من تقليل شأن الذات، إلى عدم الثقة بالنفس أو الآخرين، إلى مواجهة صدمات نفسية عاشها الإنسان شخصياً أو عايشها.

مركزية الخوف
تمكن علماء بريطانيون من تحديد منطقتين للشعور بالخوف في دماغ الإنسان، وذلك من خلال مراقبة تغير ردود فعله على اقتراب الخطر منه أثناء ممارسته لألعاب الكمبيوتر.

ويعتقد الباحثون أن هناك منطقتين رئيسيتين مسؤولتين عن الخوف في المخ تسيطر أكثرهما نشاطاً على رد الفعل في حالة اقتراب الخطر، ولذلك فإن الخلل في التوازن بين المنطقتين قد يفسر بعض أسباب الإصابة باضطرابات القلق.

ولاكتشاف مواطن الخوف الحقيقية في المخ قام العلماء بإخافة مجموعة من المتطوعين عبر لعبة مطاردة إلكترونية وإذا قبض على بطل اللعبة يتم صعق اللاعب بشحنة خفيفة من الكهرباء.

وأظهر مسح المخ الذي يقيس تدفق الدم لدى اللاعب نشاطاً في الأجزاء السفلى من الفص الجبهي للمخ خلف الحاجبين حينما كان بطل اللعبة بعيداً عن مصدر الخطر، والأجزاء السفلى من الفص الجبهي للمخ هي المنطقة المسؤولة عن إصدار القرارات المعقدة مثل التخطيط للهرب أثناء التعرض للخطر.

ولكن حينما اقترب مصدر الخطر من بطل اللعبة، انتقل النشاط إلى منطقة المادة السنجابية المركزية في المخ والمسؤولة عن آليات رد الفعل السريع الخاصة بالبقاء على قيد الحياة مثل القتال والفرار أو تجمد الحركة. ونشرت نتائج الدراسة التي قام بها الدكتور دين موبس وزملاؤه من مركز (ويلكم تراست) للتصوير العصبي في جامعة لندن.

وقال موبس إن (الأمر مثل الأرجوحة فكلتا المنطقتين تلعب دوراً، ولكن واحدة منهما تصبح أكثر سيطرة من الأخرى في مراحل مختلفة من الشعور بالخطر). ويبدو أن الأجزاء السفلى من الفص الجبهي للمخ هي المسؤولة عن الأنظمة الأكثر بدائية في المخ، وأي خلل في هذا النظام قد يفسر ما الذي يدفع المصابين بنوبات الهلع لاتخاذ ردود أفعال مبالغ فيها تجاه مواقف لا تمثل خطراً مباشراً.

الخوف في الأدب
تناول الأدب موضوع الخوف في العديد من الأعمال الكلاسيكية والمعاصرة، إما بهدف الكشف عن تأثيراته وأسباب هيمنته على الإنسان أو المجتمع، أو بهدف عنصر التشويق والإثارة كما هو في أدب الرعب.

ومن أبرز الأعمال الأدبية التي تناولت الخوف كمحور بارز، قصة (موت موظف) للأديب الروسي أنطوان تشيخوف (‬1860 ــ ‬1940)، حيث انقلبت حياة بطل القصة الموظف البسيط ايفان ديمتريفيتش تشرفياكوف، إلى كابوس نتيجة وصول رذاذ عطسته إلى صلعة الجنرال الذي كان جالساً أمامه في المسرح.

هيمنت على ديمتريفيتش هواجس الخوف من نقمة الجنرال العجوز عليه، على الرغم من اللامبالاة التي أظهرها الأخير، وظلت مشاعر الخوف تتعملق في داخله حتى قضت عليه في النهاية.كما يعتبر الأديب الأميركي إدغار الآن بو (‬1809 - ‬1849) أول من وضع قواعد أدب الرعب لمن خلفه، من خلال سبعين قصة قصيرة كتبها.

ويرى بو أن الرعب أقصى مشاعر الخوف، يطهر الإنسان ويجعله أفضل، وتدور قصص الرعب عنده في عوالم سوداوية كئيبة قريبة من أجواء الكوابيس، ومفردات تشمل الدفن حياً وموت الأحباب والجنون والاضطراب والفصام والتي ترتبط دوما بالمآسي.

ومثال على ذلك قصة «سقوط بيت آشلر» حيث تحفل القصة من بدايتها وحتى نهايتها بكل المؤثرات، فيصف الراوي الجو الغامض المحيط بقصر أسرة «آشر» من الخارج والداخل، إلى جانب حواراته عن صديقه «آشر» واضطرابه العقلي، ومرض اخته الذي انتهى بدفنها .

وهي لاتزال حية، ثم انهيار البيت نفسه، والذي يرمز في النهاية إلى أسرة «آشر» نفسها. وقد حول المخرج «روجر كورمان» هذه الرواية إلى فيلم باسم «سقوط بيت آشر» عام ‬1960، تلاه بفيلم «الغراب» عام ‬1963.يبرز على صعيد القصة الطويلة والرواية، الكاتب السلافي فرانز كافكا (‬1883 ــ ‬1924) الذي برع في تصوير حالات الرعب الفردية،.

وتأثيرات مخاوف الإنسان التي تفرض عليه الوحدة والعزلة، ومثال على ذلك قصته الشهيرة (التحول)، حيث يصدم كافكا القارئ من الجملة الأولى، (استيقظ غريغور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه قد تحول في فراشِه إلى حشرة هائلة الحجم).

ويُجري (كافكا) هذا الحدث غير الواقعي وغير محتمل الوقوع، في أجواء واقعية تماماً، موهماً القارئ بصدق هذا الكابوس حيث تمنى (غريغور) أن يكون ما يعيشه مجرد حلم مزعج مع وعيه باستحالة أمنيته.

ويصل المفكر والكاتب الفرنسي جان بول سارتر في روايته (الجدار) إلى أوج إبداعه في الكشف عن أعماق المشاعر الإنسانية، ووصف الحالات النفسية في أوج توترها وقلقها والعواطف الحادة التي تعصف بها من انعكاسات هواجس الحرب.كما ساعدت العديد من الأعمال الأدبية على كسر الشعوب لحاجز الخوف في داخلها.

والتمرد على واقعها، كرواية (كوخ العم توم) للكاتبة الأميركية هارييت بيتشر ستو (‬1811 - ‬1896) التي سلطت الضوء فيها على واقع حياة الأفارقة في أميركا والظلم الذي يعانون منه في ظل العبودية، وقد ساهمت هذه الرواية التي صدرت عام ‬1852 في اندلاع الحرب الأهلية بين شمال وجنوب الولايات المتحدة.

سينما الخوف
تمحورت السينما الغربية في معظم الأعمال التي قدمتها على عنصر الإثارة والرعب، بعيداً عن معالجة مفهوم الخوف بمختلف حالته إلا في حالات الفوبيا والبارانويا. وفي عام ‬2010 دعا مهرجان (ويركليتز) في برلين، إلى تقديم منعطف جديد في السينما تحت عنوان (للخوف عينين كبيرتين ).

حيث تجاوز المهرجان المعادلة المستهلكة للبطل الذي لا يصيبه أي أذى من الحروب والمخاطر والأهوال، إلى تقديم الخوف في أوجه جديدة مثل الجانب النفسي والجينات المتوارثة والخوف الاجتماعي المرتبط بالإعلام والحرب والخوف الفردي.

وقدمت السينما والتلفزيون المصري العديد من الأفلام والمسلسلات التي تناولت موضوع الخوف على مختلف الأصعدة. ففي السينما قدم فيلم (الخوف) عام ‬1972 حيث ترحل سعاد عن السويس إلى القاهرة بعدما فقدت أسرتها في حرب ‬67، لتتعرف بالصحافي أحمد، ومعه تعيش مأساة الخراب والدمار وموت أمها بين يديها، والفيلم من إخراج سعيد مرزوق.

وعن الخوف الاجتماعي قدم المخرج حسين كمال فيلم (شيء من الخوف) عام ‬1969 بالأبيض والأسود، حيث يصبح عتريس (محمود مرسي) الحفيد صورة من جده في القسوة والبطش والجبروت والإجرام ويتحكم في حياة قرية الدهاشنة بالإرهاب الذي يفرضه على أهلها.

يخطب عتريس فؤاده (شاديه) التي يحبها منذ الصغر ويطلب زواجها من والدها، لكن فؤاده ترفض، في حين يعلن والدها الذي يخشى غضب عتريس، عن موافقتها عليه. يتم الزواج مع رفض فؤاده الدائم له، وتعلمه بأن زواجهما باطل شرعًا لأنها لم توافق على الزواج.

في هذه الأثناء يحرض الشيخ إبراهيم الأهالي على عتريس وعصابته معلناً أن زواجه من فؤاده باطل، وتتحدى فؤاده أوامر عتريس وتسمح للمياه أن تروي أرض الفلاحين بعد أن منعها عتريس عنهم. وهكذا يتحدى الأهالي خوفهم من عتريس وعصابته ويحرقون قصره وهو بداخله.